المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كلام قيم جدًا في شرح حديث : كل مولود يولد على الفطرة


محمد سعد عبد
31-01-2010, 03:06 PM
ـ كل مولود يولد على الفطرة :
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَثَلِ الْبَهِيمَةِ تُنْتَجُ الْبَهِيمَةَ هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ ))[1] (http://www.islamflag.net/vb/newthread.php?do=newthread&f=4#_ftn1) .
قال الحافظ في الفتح : ( كُلّ مَوْلُود ) أَيْ مِنْ بَنِي آدَم .
وَاسْتَشْكَلَ هَذَا التَّرْكِيب بِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ كُلّ مَوْلُود يَقَع لَهُ التَّهْوِيد وَغَيْره مِمَّا ذُكِرَ , وَالْفَرْض أَنَّ بَعْضهمْ يَسْتَمِرّ مُسْلِمًا وَلا يَقَع لَهُ شَيْء
وَالْجَوَاب أَنَّ الْمُرَاد مِنْ التَّرْكِيب أَنَّ الْكُفْر لَيْسَ مِنْ ذَات الْمَوْلُود وَمُقْتَضَى طَبْعِهِ , بَلْ إِنَّمَا حَصَلَ بِسَبَبٍ خَارِجِيّ , فَإِنْ سَلِمَ مِنْ ذَلِكَ السَّبَب اِسْتَمَرَّ عَلَى الْحَقّ . وَهَذَا يُقَوِّي الْمَذْهَب الصَّحِيح فِي تَأْوِيل الْفِطْرَة كَمَا سَيَأْتِي .
وَقَدْ اِخْتَلَفَ السَّلَف فِي الْمُرَاد بِالْفِطْرَةِ فِي هَذَا الْحَدِيث عَلَى أَقْوَال كَثِيرَة :
ـ وَحَكَى أَبُو عُبَيْد أَنَّهُ سَأَلَ مُحَمَّد بْن الْحَسَن صَاحِب أَبِي حَنِيفَة عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : كَانَ هَذَا فِي أَوَّل الإِسْلام قَبْل أَنْ تَنْزِل الْفَرَائِض , وَقَبْل الأَمْر بِالْجِهَادِ .
قَالَ أَبُو عُبَيْد : كَأَنَّهُ عَنَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ يُولَد عَلَى الإِسْلام فَمَاتَ قَبْل أَنْ يُهَوِّدهُ أَبَوَاهُ مَثَلاً لَمْ يَرِثَاهُ . وَالْوَاقِع فِي الْحُكْم أَنَّهُمَا يَرِثَانِهِ فَدَلَّ عَلَى تَغَيُّر الْحُكْم . وَقَدْ تَعَقَّبَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ وَغَيْره . وَسَبَب الاشْتِبَاه أَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى أَحْكَام الدُّنْيَا , فَلِذَلِكَ اِدَّعَى فِيهِ النَّسْخ , وَالْحَقّ أَنَّهُ إِخْبَار مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا وَقَعَ فِي نَفْس الأَمْر , وَلَمْ يُرِدْ بِهِ إِثْبَات أَحْكَام الدُّنْيَا .

ـ وَأَشْهَرُ الأَقْوَال أَنَّ الْمُرَاد بِالْفِطْرَةِ الإِسْلام
قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : وَهُوَ الْمَعْرُوف عِنْد عَامَّة السَّلَف . وَأَجْمَعَ أَهْل الْعِلْم بِالتَّأْوِيلِ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( فِطْرَة اللَّه الَّتِي فَطَرَ النَّاس عَلَيْهَا ) الإِسْلام , وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَة فِي آخِر حَدِيث الْبَاب : اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ( فِطْرَة اللَّه الَّتِي فَطَرَ النَّاس عَلَيْهَا ) وَبِحَدِيثِ عِيَاض بْن حِمَار عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِيه عَنْ رَبّه " إِنِّي خَلَقْت عِبَادِي حُنَفَاء كُلّهمْ , فَاجْتَالَتْهُمْ الشَّيَاطِين عَنْ دِينهمْ " الْحَدِيث . وَقَدْ رَوَاهُ غَيْره فَزَادَ فِيهِ " حُنَفَاء مُسْلِمِينَ " وَرَجَّحَهُ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( فِطْرَة اللَّه ) لأَنَّهَا إِضَافَة مَدْح , وَقَدْ أَمَرَ نَبِيّه بِلُزُومِهَا , فَعُلِمَ أَنَّهَا الإِسْلام .
وَقَالَ اِبْن جَرِير : قَوْله : ( فَأَقِمْ وَجْهك لِلدِّينِ ) أَيْ سَدِّدْ لِطَاعَتِهِ ( حَنِيفًا ) أَيْ مُسْتَقِيمًا ( فِطْرَة اللَّه ) أَيْ صِبْغَة اللَّه , أَيْ اِلْزَمْ .
وعن الزُّهْرِيّ فِي الصَّلاة عَلَى الْمَوْلُود : مِنْ أَجْل أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِطْرَة الإِسْلام
وجزم البخاري فِي تَفْسِير سُورَة الرُّوم بِأَنَّ الْفِطْرَة الإِسْلام .
وَقَدْ قَالَ أَحْمَد : مَنْ مَاتَ أَبَوَاهُ وَهُمَا كَافِرَانِ حُكِمَ بِإِسْلامِهِ . وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ الْبَاب فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ فَسَّرَ الْفِطْرَة بِالإِسْلامِ .
وَتَعَقَّبَهُ بَعْضهمْ بِأَنَّهُ كَانَ يَلْزَم أَنْ لا يَصِحّ اِسْتِرْقَاقه , وَلا يُحْكَم بِإِسْلامِهِ إِذَا أَسْلَمَ أَحَد أَبَوَيْهِ .
وَالْحَقّ أَنَّ الْحَدِيث سِيقَ لِبَيَانِ مَا هُوَ فِي نَفْس الأَمْر , لا لِبَيَانِ الأَحْكَام فِي الدُّنْيَا .
وَحَكَى مُحَمَّد بْن نَصْر أَنَّ آخِر قَوْلَيْ أَحْمَد أَنَّ الْمُرَاد بِالْفِطْرَةِ الإِسْلام .

" قَالَ الطِّيْبِيّ : وَالْمُرَاد تَمَكُّن النَّاس مِنْ الْهُدَى فِي أَصْل الْجِبِلَّة , وَالتَّهَيُّؤ لِقَبُولِ الدِّين , فَلَوْ تُرِكَ الْمَرْء عَلَيْهَا لاسْتَمَرَّ عَلَى لُزُومهَا وَلَمْ يُفَارِقهَا إِلَى غَيْرهَا , لأَنَّ حُسْن هَذَا الدِّين ثَابِت فِي النُّفُوس , وَإِنَّمَا يُعْدَل عَنْهُ لآفَةٍ مِنْ الآفَات الْبَشَرِيَّة كَالتَّقْلِيدِ اِنْتَهَى .
وَإِلَى هَذَا مَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي " الْمُفْهِم " فَقَالَ : الْمَعْنَى أَنَّ اللَّه خَلَقَ قُلُوب بَنِي آدَم مُؤَهَّلَة لِقَبُولِ الْحَقّ , كَمَا خَلَقَ أَعْيُنهمْ وَأَسْمَاعهمْ قَابِلَة لِلْمَرْئِيَّاتِ وَالْمَسْمُوعَات , فَمَا دَامَتْ بَاقِيَة عَلَى ذَلِكَ الْقَبُول وَعَلَى تِلْكَ الأَهْلِيَّة أَدْرَكَتْ الْحَقّ , وَدِين الإِسْلام هُوَ الدِّين الْحَقّ , وَقَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى بَقِيَّة الْحَدِيث حَيْثُ قَالَ " كَمَا تُنْتَج الْبَهِيمَة " يَعْنِي أَنَّ الْبَهِيمَة تَلِد الْوَلَد كَامِل الْخِلْقَة , فَلَوْ تُرِكَ كَذَلِكَ كَانَ بَرِيئًا مِنْ الْعَيْب , لَكِنَّهُمْ تَصَرَّفُوا فِيهِ بِقَطْعِ أُذُنه مَثَلاً فَخَرَجَ عَنْ الأَصْل , وَهُوَ تَشْبِيه وَاقِع وَوَجْهه وَاضِح وَاَللَّه أَعْلَم .

وَقَالَ اِبْن الْقَيِّم : لَيْسَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ " يُولَد عَلَى الْفِطْرَة " أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ بَطْن أُمّه يَعْلَم الدِّين , لأَنَّ اللَّه يَقُول ( وَاَللَّه أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُون أُمَّهَاتكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا ) وَلَكِنَّ الْمُرَاد أَنَّ فِطْرَته مُقْتَضِيَة لِمَعْرِفَةِ دِين الإِسْلام وَمَحَبَّته , فَنَفْس الْفِطْرَة تَسْتَلْزِم الإِقْرَار وَالْمَحَبَّة , وَلَيْسَ الْمُرَاد مُجَرَّد قَبُول الْفِطْرَة لِذَلِكَ , لأَنَّهُ لا يَتَغَيَّر بِتَهْوِيدِ الأَبَوَيْنِ مَثَلاً بِحَيْثُ يُخْرِجَانِ الْفِطْرَة عَنْ الْقَبُول .
وَإِنَّمَا الْمُرَاد أَنَّ كُلّ مَوْلُود يُولَد عَلَى إِقْرَاره بِالرُّبُوبِيَّةِ , فَلَوْ خُلِّيَ وَعَدَم الْمُعَارِض لَمْ يَعْدِل عَنْ ذَلِكَ إِلَى غَيْره , كَمَا أَنَّهُ يُولَد عَلَى مَحَبَّة مَا يُلائِم بَدَنه مِنْ اِرْتِضَاع اللَّبَن حَتَّى يَصْرِفهُ عَنْهُ الصَّارِف , وَمِنْ ثَمَّ شُبِّهَتْ الْفِطْرَة بِاللَّبَنِ بَلْ كَانَتْ إِيَّاهُ فِي تَأْوِيل الرُّؤْيَا . وَاَللَّه أَعْلَم .



[1] (http://www.islamflag.net/vb/newthread.php?do=newthread&f=4#_ftnref1) رواه البخاري (1385) .

ابو عمر الفهيدي
13-02-2010, 10:37 PM
السلام عليكم
جزيت الجنة على هذه المشاركة الطيبة

محمد سعد عبد
20-02-2010, 10:46 PM
http://www.islamroses.com/ibw/uploads/post-2-1143412486.gif