مأرب
06-09-2007, 08:20 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
هذه هي الحلقة السادسة وهي الأخيرة من فتاوى الصيام المنتقى من سلسلة الفتاوى الشرعية لشيخنا أبي الحسن حفظه الله تعالى ، وعملتها بهذه الطريقة خلافاً للحلقات الأولى التي كانت على ملفات وورد وذلك تطييباً لخاطر أخينا الهزبر كما في تعليقه على الحلقة الثانية ، مع أنه تعليق متأخر إلا أن فكرته كانت في نفسي لولا أن بعض الفتاوى طويلة جدا فرأيت أن تكون كلها في وورد والله المعين والموفق :
السؤال الثمانون : هل دعاء القنوت في الوتر له من معين أم هو مطلق ؟
الجواب : ليس هناك نص صحيح إلى رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - بتعيين ذلك أو إطلاقه , وأما حديث أنس : " أن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - كان يقنت في النصف من رمضان إلى آخره " ، فقد أخرجه ابن عدي ، والبيهقي , وفيه أبو عاتكة طريف بن سليمان , وهو ضعيف قاله الحافظ , والظاهر أنه أضعف من ذلك ؛ فهو ضعيف جدًا , وأما هذا الحديث ؛ فمن جملة أحاديث منكرة رُويت بنفس الإسناد , كما قاله ابن عدي - رحمه الله تعالى - .
والآثار الواردة عن الصحابة في تعيين الدعاء بالنصف الأخير من رمضان , ولعن الكفار ؛ لا تسلم من طعن , ولو صحّت ؛ فقد حملها القارئ في " مرقاة المفاتيح " (3/346) على زيادة قنوت خاص مخصوص بوقت غلبة الكفار , ودفعهم بالدعاء , قال : هو لا ينافي دوام القنوت المذكور في جميع السنة ، والله أعلم اهـ .
وفي " الموطأ " برقم (255) عن مالك عن داود بن الحصين ، سمعت الأعرج يقول : ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفار في رمضان . وهذا سند صحيح .
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة , فمنهم من خص الدعاء بالنصف من رمضان , ودليله ما قد سبق , وقد علمت ما فيه , ومنهم من جعله في السنة كلها – لمن شاء – وهو القول الذي رجع إليه أحمد؛ لأنه دعاء, كما في " سؤالات ابن هانئ " (1/99/497) : كنت أرى أن يقنت نصف السنة ، وإنما هو دعاء يقنت السنة أجمع ، لا بأس به اهـ . وانظر (1/100/ 500) من " سؤالات ابن هانئ " أيضًا .
فالذي يترجح من أقوال أهل العلم أن من أراد أن يدعو في وتره في أي وقت في الركعة الأخيرة ؛ فلا إنكار عليه ، والله أعلم .
السؤال الحادي و الثمـانون : نرى بعض النـاس إذا أراد أن يدعو قبل الركوع ؛ كبر ، ثم دعا , ثم كبر ، ثم ركع , فهل لها أصل في السنة ؟
الجواب : لم أقف على دليل مرفوع في ذلك مرفوع في ذلك , إنما صحّ عن عمر وعلي , وعند ابن أبي شيبة , وحكاه عن جماعة من السلف في " مصنفه " (2/ 101, 108) , فمن قال به استدل بفعل هذين الصحـابيين الخليفتين الراشدين , ومن منع منه ، كالشـافعي في " الأم " (1/260-261) , ونقله المروزي في " قيام الليل " ، كمـا في " مختصر قيام الليل " ص ( 319) , استدل بأنه تكبير زائد في الصلاة , لم يثبت بأصل ولا قياس اهـ . وإذا كنا قد قلنا بجواز دعاء الوتر ؛ لفعل الصحابة ذلك , فكيف نمنع من التكبير مع فعل عمر ، وعلي , وجماعة من السلف , ولم نعلم أحدًا صلى وراء عمر وعلي ، وأنكر ذلك عليهما, أو على أحدهما ، والله أعلم .
السؤال الثاني والثمانون : ما حكم رفع الأيدي في قنوت الوتر ؟
الجواب : رُوي في ذلك حديث أنس الذي أخرجه أحمد مطولاً ، والبيهقي مختصرًا , من طريق ثابت عن أنس بن مالك في قصة القراء وقتلهم, قال: فقال لي أنس : لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - كلما صلى الغداة رفع يديه يدعو عليهم , يعني على الذين قتلوهم .
وأخشى أن يكون رفع اليدين في هذا الطريق غير محفوظ ؛ لأن تلامذة أنس نحو العشرة رووا الحديث في " الصحيحين " وغيرهما بدون ذكر رفع الأيدي , وبقية الصحابة الذين رووا الحديث لم يذكروا فيه رفع اليدين , والله أعلم .
لكن ثبت عن عمر عند أبي شيبة وغيره من طريق أبي عثمان قال : كان عمر يقنت بنا بعد الركوع , ويرفع يديه , حتى يبدو ضبعاه , ويسمع صوته من وراء المسجد . والظاهر أن هذا في صلاة الغداة ؛ كما في رواية المروزي ، انظر " مختصر قيام الليل " ص (320) .
وثبت أيضًا عن ابن عباس عند أبي شيبة وغيره من طريق سفيان عن عوف عن خلاس بن عمرو الهجري عن ابن عباس أنه صلى ، فقنت بهم في الفجر بالبصرة , فرفع يديه حتى بدا ضعباه .
وبعض السلف أنكر رفع اليدين , فقد قال الزهري : لم تكن تُرفع الأيدي في الوتر في رمضـان . أخرجه عبد الرزاق وغيره بسند صحيح إليه, لكن مراسيل الزهري شبه الريح .
ومنهم من قال : هو دعاء في الصلاة؛ فلا ترفع فيه الأيدي كالتشهد.
وقد قال مالك والأوزاعي وآخرون بترك الرفع .
وقد اختار الإمام أحمد وجماعة من أهل العلم رفع اليدين , وهو الذي رجحه النووي في " المجموع " (3/499–500) ، وقد أجاب على الشيرازي عندما حصر رفع اليدين في مواضع في الدعاء , وساق أحاديث كثيرة في رفع اليدين في مواضع كثيرة .
فمن رفع يديه في الوتر ؛ نظر إلى أن بعض الصحابة قد ثبت عنهم الرفع في قنوت الفجر ؛ فمن باب أولى الوتر , ولأن في النافلة توسعًا , ولأن أصل القنوت في الوتر مأخوذ من القياس على قنوت النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - في الفريضة , وهناك آثار عن أبي هريرة ، وابن مسعود في الرفع من الوتر ، وفيها ضعف خفيف .
والذي يترجح لي أنه لا يُنكر على من رفع يديه ؛ لأخذه بفتوى من قاس على فعل عمر ، وابن عباس , ولا ينكر على من لم يرفع ؛ لما سبق, والأمر سهل , والخلاف فيه موجود بين العلماء ، والله أعلم .
السؤال الثالث والثمـانون : ما حكم مسح الوجه بالأيدي بعد الدعاء في الصلاة ؟
الجواب : أكثر أهل العلم على عدم المسح ؛ لأنه لم يصح في ذلك حديث إلى رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - , قال البيهقي - رحمه الله - في " الكبرى " (2/ 212) : فأما مسح اليدين بالوجه عند الفراغ من الدعاء ؛ فلست أحفظه عن أحد من السلف في دعاء القنوت, وإن كان يروي عن الفراغ من الدعاء خارج الصلاة , وقد روى فيه دعاء القنوت , وإن كان يروي عن بعضهم خارج الصلاة , وأما في الصلاة ؛ فهو عمل لم يثبت بخبر صحيح ، ولا أثر ثابت ، ولا قياس ؛ فالأولى أن لا يفعله , ويقتصر على ما فعله السلف - رضي الله عنهم -, من رفع اليدين دون مسحهما بالوجه في الصلاة , وبالله التوفيق اهـ .
وقد سئل عنه أحمد ؛ فقال : لم أسمع فيه شيئًا , كما في " سؤالات أبي داود " ص (71) ، وقال مرة : أرجو ألا يكون به بأس , كما في "بدائع الفوائد" (4/ 113) ، واختار تركه , والذي تطمئن إليه النفس ترك ذلك , كما قال الإمام البيهقي - رحمه الله تعالى - والله أعلم .
السؤال الرابع والثمانون : رجل صلى مع إمامه حتى انتهى من الوتر , ثم قام من الليل وأراد أن يصلي , فماذا يفعل ؟ لأن بعض الناس يقول له : صلّ ركعة أخرى تشفع لك ما صليت , ثم صلّ بعد ذلك ما شئت ثم أوتر , فهل هذا صحيح أم لا ؟
الجواب : هذا المسألة تسمى بنقض الوتر , وقد اختلف فيها أهل العلم .
فصحّ عن ابن عمر أنه كان إذا قام يشفع وتره بأخرى , ثم يصلي , ثم يوتر , وأنكر ذلك ابن عباس , فقال : إن ابن عمر ليوتر في الليلة ثلاث مرات . وأخرجه عبد الرزاق من طريق الزهري عن ابن عباس , والظاهر أن الزهري لم يسمع من ابن عباس .
وقد صحّ عن ابن عباس أنه قال : إذا أوترت من أول الليل ؛ فصل شفعًا حتى تصبح .
وهذه المسألة قد قال بكل قول فيها جماعة :
واستدل من قال بنقض الوتر بما جاء في " صحيح مسلم" برقم (1752) من حديث ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - قال : " اجعلوا آخر صلاة ليلكم وترًا " .
وأما من قال بعدم نقض الوتر ؛ فقد استدل بحديث قيس بن طلق بن علي , قال : زارنا أبي طلقُ بنُ علي في يوم من رمضان ؛ فأمسى بنا , وقام بنا تلك الليلة , وأوتر بنا , ثم انحدر إلى المسجد ؛ فصلى بأصحابه , حتى بقي الوتر , ثم قدّم رجلاً , فقال له : أوتر بهم ؛ فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - يقول : " لا وتران في ليلة " . أخرجه النسائي والترمذي وغيرهما , وقيس فيه كلام , لكنه هنا يروي قصة وقعت له , مما يرجح ضبطه لها .
قالوا : فمن نقض وتره ؛ فقد صلى وترين وزيادة في ليلة واحدة .
وقالوا أيضًا : وكيف تتصل بصلاة وبينهما أكل ، وشرب ، ونوم ، وإحداث ونحو ذلك من مبطلات الصلاة ؟
وقد قال الترمذي - رحمه الله – بعد إخراج الحديث : واختلف أهل العلم في الذي يوتر من أول الليل , ثم يقوم آخره , فرأى بعض أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ومن بعدهم نقض الوتر ، وقالوا : يضيف إليها ركعة ، ويصلي ما بدا له ، ثم يوتر في آخر صلاته ؛ لأنه " لا وتران في ليلة "( ) ، وهو الذي ذهب إليه إسحاق .
وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وغيرهم : إذا أوتر من أول الليل , ثم نام , ثم قام من آخر الليل؛ فإنه يصلي ما بداله , ولا ينقص وتره , ويدع وتره على ما كان , وهو قول سفيان الثوري ، ومالك بن أنس ، وابن المبارك ، والشافعي ، وأهل الكوفة ، وأحمد , ثم يوتر آخر صلاته , وليس ذلك لمن أوتر مرة ؛ إذ ليس من السنة أن يوتر في ليلة مرتين... اهـ . انظر " الأوسط " لابن المنذر (5/198) . ثم قال ابن المنذر : ولا أعلم اختلافًا في أن رجلاً بعد أن أدى صلاة فرض كما فرضت عليه , ثم أراد بعد أن فرغ منها نقضها, أن لا سبيل له إليه ؛ فحكم المختلف فيه من الوتر حكم ما لا نعلمهم اختلفوا فيه مما ذكرناه , وكذلك الحج ، والصـوم ، والعمـرة ، والاعتكاف , لا سبيل إلى نقض شيء منها بعد أن يكملها... اهـ .
وهذا هو القول الراجح نقلاً ، وعقلاً ، وقياسًا , ومع ذلك فمن أخذ بالقول الأول ؛ فلا يُرمى بذم ؛ لأنه مسبوق بجماعة من أهل العلم ، والله تعالى أعلم .
السؤال الخامس والثمانون: نرى في بعض المساجد في صلاة التراويح من يؤم الناس بالمصحف , فهل هذا صحيح أم لا ؟
الجواب : الأصل أن القراءة من حفظ الرجل أقرب إلى السنة وأنفع لصـاحبها , حيث إنها تثبت القرآن في قلبه , وقد رخّص الإمـام مالك - رحمه الله - عندما سئل عن ذلك , فقال : إذا اضطر الناس إلى ذلك , وثبت عن عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - أن غلامها ذكوان كان يؤمها من المصحف . أخرجه ابن أبي شيبة في " مصنفه " ، وابن أبي داود في " المصاحف " , وقد ذكرا أسانيد كثيرة لمن رخّص في ذلك , ولمن منع من ذلك .
والذي رخص نظر إلى أن قراءة القرآن من أعمال الصلاة , والنافلة قد تُوسَّع فيها , وقد فعلته أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - ؛ ولأن من لا يحفظ شيئًا من القرآن ، واحتاج إلى ترديد سورة أو سورتين أو نحو ذلك ؛ لا ينشط الناس للصلاة معه .
ومن منع من ذلك نظر إلى أنه تشبه بأهل الكتاب , وأنه فعلٌ في الصلاة ليس له دليل يشهد لصحته .
وأكثر العلماء على الجواز بضوابط , مع إقرارهم بأن القراءة من الحفظ أولى , وقد رُوي عن الزهري أنه سئل عن ذلك , فقال : مازالوا يفعلون ذلك منذ كان الإسلام , كان خيارنا يقرؤون في المصاحف . لكن في سنده عبد العزيز بن محمد وهو الدراوردي , وابن أخي الزهري, وكلاهما لا يُحتج به .
وإذا كان القارئ حافظًا ؛ وأخذ أحد خلفه المصحف , ونظر فيه ليفتح عليه ؛ فقد جاء في " مصنف ابن أبي شيبة " (2/125/7222) : حدثنا يحيى بن آدم قال : حدثنا عيسى بن طهمان , قال : حدثني ثابت البناني , قال : كان أنس يصلي وغلامه يمسك المصحف خلفه , فإذا تعايا في آية ؛ فتح عليه . وهذا سند حسن , رجاله كلهم ثقات إلا عيسى بن طهمان ؛ فهو صدوق .
فمن فعل ذلك واقتدى بأنس – رضي الله عنه – ؛ فأرجو أن يكون في الأمر سعة , ومن كان يصلي وبجواره المصحف ؛ فإن عجز عن شيء نظر في المصحف , فقد صحّ نحو هذا عن ابن سيرين , أخرجه ابن أبي داود في " المصاحف " ص (194) من وجوه كثيرة أنه كان يصلي قاعدًا والمصحف إلى جنبه , فإذا شك في شيء ؛ نظر فيه , وهو في الصلاة . وفي رواية : أخذه ؛ فنظر فيه .
وقد ذهب أبو حنيفة - رحمه الله – إلى فساد صلاة من قرأ في صلاة التراويح من المصحف , وتعقبه المروزي , كما في " مختصر قيام الليل " ص (234) بأنه لا يعلم أحدًا قبل أبي حنيفة أفسد صلاته , وردّ على قياس أبي حنيفة ذلك بمن نظر أثناء الصلاة في كتب الحساب .
وذهب ابن حزم في " المحلى " (4/ 223) برقم ( 493) إلى بطلان صلاة من فعل ذلك .
والراجح أن ذلك جائز عند الحاجة , وعند عدم الحاجة ؛ فيكره , وأما أن يمسك الإمام المصحف ، والناس من خلفه يمسكون المصاحف ، – كما رأيته في بعض المساجد – ؛ فهذا لم أقف عليه من فعل السلف , ولا حاجة للمأمومين في ذلك , ويُخشى على أن الناس أن يتوسعوا كل يوم بشيء لم يؤثر عن سلفهم ؛ فيضلوا السبيل , والله المستعان .
السؤال السادس والثمانون : هل الاعتكاف في جميع المساجد , أم في المسجد الثلاثة : المسجد الحرام , ومسجد رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ، والمسجد الأقصى ؟
الجواب : اختلف أهل العلم في هذه المسألة : فمنهم مَن ذهب إلى العموم , واستدل بقوله تعالى : وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ [البقرة : 187] ؛ فلم يخص مسجدًا دون آخر .
ومنهم من ذهب إلى التخصيص بالمساجد الثلاثة , واستدل بحديث حذيفة – رضي الله عنه – أنه جاء إلى عبد الله بن مسعود , وقال له : قوم عكوف بين دارك ودار أبي موسى , لا تنهاهم وقد علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - قال : " لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة : المسجد الحرام , ومسجد النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ، ومسجد بيت المقدس " ؟ فقال عبد الله بن مسعود: فلعلهم أصابوا وأخطأت , وحفظوا ونسيت. أخرجه الإسماعيلي والدار قطني وغيرهما . وهذا الحديث وقع فيه اختلاف كثير سندًا ومنتًا , فمن ذلك :
ٍ1) اختلف هل هو موقوف على حذيفة ، أم أنه مرفوع إلى رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ؟ والظاهر عندي أن الرفع زيادة ثقة مقبولة .
2) واختلف هل هو صريح في الرفع إلى رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - , أم ليس كذلك ؟ كما في قول حذيفة في روايات أخرى : " وقد علمت أنه لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة " , والظاهر أنه وقع التصريح بالرفع , لكن حدث بين المصرحين بالرفع خلاف في المتن, هل هو مجزوم به أم مشكوك فيه ؟ كما في رواية سعيد بن منصور, وفيها : وقد علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - قال : "لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة , أو قال : في مسجد جامع". وسعيد ابن منصور الذي روى المشكوك فيها والصريحة في الرفع ؛ أرجح من الذين رووها صريحة في الرفع مجزومًا بها ؛ لحفظه , ولضعف بعضهم , وضعف الطريق إليه , والشك لا يعمل به .
3) واختلف في الترجيح بين الروايات المصرحة بالرفع, والأخرى التي فيها قول حذيفة : " وقد علمت أنه لا اعتكاف إلا في المسجد الثلاثة " .
4) واختلف في قول حذيفة : " وقد علمت أنه لا اعتكف... الخ " . هل هذا معناه : أنك يا ابن مسعود علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - قال كذا ؟ أم معناه : وقد علمت من المتبادر من النصوص , أو من فهمك للقواعد أنه لا اعتكاف... الخ ؟ وإن كانت النفس تميل إلى أن المتبادر من ذلك أنه إحالة إلى العلم المأخوذ ممن جعله الله حجة على الخلق - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - .
5) وفي بعض الروايات أن حـذيفة عندما قـال له ابن مسعـود : " فلعلهم أصابوا... الخ " ، لم يتعقبه حذيفة بشيء , وفي بعضهـا قال : " أما أنا فقد علمت أنه لا اعتكاف... الخ " , وفي بعضها أن ابن مسعود لم يرد عليه بشيء .
فالذي تميل إليه نفسي في النهاية ثبوت الحديث مجزومًا به , لا بالرفع الصريح ؛ إنما له حكم الرفع - على ما فيه من أخذ ورد - .
ومع هذه العقبات في الترجيح , وإنكار ابن مسعود على حذيفة , حتى قال له : " فلعلهم حفظوا ونسيت , وأصابوا وأخطأت " , فأنكر عليه روايةً وواقعًا , وقد فهم الطحاوي من ذلك ، كما في " المشكل " (7/ 201 وما بعدها ) أن ابن مسعود قد حفظ ما ينسخ حديث حذيفة الذي رواه عن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - .
فإن قيل : قول ابن مسعود : " لعلهم حفظوا ونسيت... الخ " من باب الترجي , ولم يجزم به ؛ فنترك المشكوك فيه للمجزوم به .
فالجواب : أن هذا من ابن مسعود ليس من بـاب الشك , بل هـو - والله أعلم – من باب التلطف في القول مع حذيفة , لاسيما وقد جاءه منكرًا عليه , وكيف يقال : إنه من باب الشك , وهذا ابن مسعود لم يتراجع عن قوله ؛ فهل يظن بابن مسعود أنه يترك اليقين الذي يخبره به حذيفة , ويتمسك بالشك ؟
فإن قيل : وهذا حـذيفة لم يتراجع عن قوله , وهل يُظن بحـذيفة - رضي الله عنه - أنه يعلم بالناسخ ولا يذهب إليه ؟
فالجواب : يحتمل أن حذيفة ما رأى الذي إليه ابن مسعود ناسخًا لدليله ؛ فبقي على ما عنده , لكن قول ابن مسعود : " لعلهم حفظوا ونسيت " دليل على وجود سنة حفظوها ، ونسيها حذيفة , أو علموا ما لم يعلمه حذيفة .
فإن قيل : وهـذا ابن مسعود لم يذكر صـارفًا من لفظ رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - لما قاله حذيفة .
فالجواب : أن الصحابي عدل في نقله ونقده , وهم أهل العلم واللسان , فإذا قال: أوجب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كذا أو حرم كذا ؛ فلا نحتاج أن نطالبه بنص قول رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - , كما هو معروف في مثل هذا الموضع في كتب علوم الحديث المعروفة بكتب المصطلح .
فإن قيل : ابن مسعود هنا لم يُحل حذيفة على معنى مأخوذ من قول رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - أو فعله , بخلاف ما ذكرت عن كتب علوم الحديث .
فالجواب : أن هذا هو المتبادر من قوله : " حفظوا ونسيت " , والله أعلم .
ففي نهاية الأمر ألخص الأدلة التي قّوت في نفسي الأخذ بالعموم :
1) العقبات الكثيرة التي في سبيل من رجح ثبوت الحديث مجزومًا به, بصيغة لها حكم الرفع .
2) عدم تسليم ابن مسعود لحذيفة بما ذهب إليه , وقوله له : " لعلهم حفظوا ونسيت , وأصابوا وأخطأت " ، وهذا يشير إلى دليل أقوى مما ذهب إليه حذيفة يجوز الاعتكاف في المسجد الجامع ؛ لأن الرواية وردت بأنهم كانوا في المسجد الجامع بالكوفة .
3) أن العلماء بعد ذلك رأوا جواز الاعتكاف في جميع المساجد , ولم أعلم أحدًا صحّ عنه القول بالمنع ، إلا في المسجد الثلاثة غير حذيفة , أما سعيد بن المسيب ؛ ففي سنده عنعنة قتادة , وأما عطاء ؛ فقد اختلف عنه الرواية بوجوه أخرى , والله أعلم .
ومنهم من قال : وحديث حذيفة محمول على الاعتكاف الأكمل ؛ لفضيلة هذه المساجد , والله أعلم .
وأما الاستدلال بحديث: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد... " الحديث , وما ورد في فضل الصلاة المسجد الحرام ، ومسجد رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ؛ فقد أجاب عليه أبو بكر الجصاص في " أحكام القرآن " (1/295) ؛ فارجع إليه , ولا يلزم من فضيلة هذه المساجد , والله أعلم .
وأما حديث عائشة : " السنة على المعتكف ألا يعود مريضًا , ولا يمس امرأة ولا يباشرها , ولا يخرج لحاجة ، إلا ما لابد منه , ولا اعتكاف ، إلا في مسجد جامع " . أخرجه أبو داود وغيره , وسنده ضعيف , فيه عبد الرحمن بن إسحاق : صدوق يخطئ , وقال أبو داود عقب إخراج الحديث : غير عبد الرحمن لا يقول فيه : قالت : " السنة ", وجعله من قول عائشة , وكلام البيهقي في " السنن الكبرى " (4/ 321)، وفي غير السنن يدل على أن الحافظ وهّموا من جعله عن عائشة, إنما هو قول عروة ، والزهري , وانظر " سنن الدار قطني " (2/201) .
تنيبة : إذا كان الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة جائزاً ؛ فهل يدخل في ذلك المسجد الجامع الذي تقام فيه الجمعة , وغير الجامع الذي تقام فيه الجماعات فقط , أن هذا الحكم خاص بالمسجد الجامع فقط ؟
والذي ينظر في كلام أهل العلم يجد فيه خلافًا كثيرًا , والذي تميل إليه النفس الأخـذ بعموم الآية , وَأَنْتُمْ عَـاكِفُونَ فِي المَسَاجِـدِ و (الـ ) هنا تفيد العموم , وحجة من منع من مسجد الجماعات أن من اعتكف فيه احتاج إلى الخروج منه للجمعة , ولا بأس في ذلك ؛ فإنها مما لا بد منه , كما يباح للمعتكف الخروج منه للجمعة , ولا بأس في ذلك؛ فإنها مما لا بد منه , كما يباح للمعتكف الخروج لقضاء حاجته وأكله وشربه ونحو ذلك , وإذا كانت مدة الاعتكاف بين الجمعتين ؛ فالخلاف أخف , ولو اعتكف في مسجد جامع بدون تكليف ومشقة عليه ؛ فهو الأولى ؛ للخروج من الخلاف , وجواز الاعتكاف في مسجد الجماعة نسبه الجصاص في " أحكام القرآن " للأكثر , وعدّه الصنعاني في "العدة" (3/ 439) أوضح الأقوال ، والله أعلم .
تنبية آخر : ادعى جماعة من أهل العلم الإجماع على شرطية المسجد في الاعتكاف , وأنه لا يجوز خارج المسجد ؛ للآية – على خلاف في تحديد المسجد ، كما سبق – ، إلا أن هذا الإجماع لا يتم ؛ لمخالفة عائشة - رضي الله عنها - , وبعض المالكية وبعض الحنفية , لكن أثر عائشة يحتمل التـأويل , ومخالفة الآخـرين ؛ فلعلها محجوبة بما سبق من اتفاق , والله أعلم .
وتفصيل الجـواب على هذا السؤال وأكثر أسئلة هـذا العدد في "التوضيح" ، والله تعالى أعلم .
السؤال السابع والثمانون : سمعنا أن الحديث الوارد في فضل صيام الست من شوال قد طعن فيه العلماء ؛ فهل هذا صحيح ؟
الجواب : جاء في " صحيح مسلم " برقم (1164) من حديث أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه – أن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - قال : " من صام رمضان , ثم أتبعه ستًا من شوال ؛ كان كصيام الدهر " .
وقد روى هذا الحديث كثير من المصنفين في السنن والمسانيد والأجزاء , وقد طعن فيه الحافظ ابن دحية , وبرهن على قوله بأنه من أفراد سعد بن سعيد بن قيس الأنصاري , وهو ممن لا يحتج به , وقد رد عليه الحافظ العلائي في جزء خاص سماه " رفع الأشكال عن صيام سن من شوال " , وذكر أن سعدًا هذا قد توبع , وذكر شواهد للحديث من حديث جماعة آخرين من الصحابة - رضي الله عنهم -, وقد تكلم أيضًا الحافظ الدمياطي والعرقي وغيرهما مدافعين عن هذا الحديث , وقد تكلمت على طرقه في جزء خاص , والإمام مسلم قد يخرج حديث الرجل الضعيف الذي له شواهد تقويه , أو ما علم أنه حفظه , لاسيما وقد رواه عن سعد جمع كثير فوق العشرين , كما ذكر غير واحد من أهل العلم , وهذه قرائن يرجح بها العلماء ثبوت الحديث ، والله أعلم .
السؤال الثامن والثمانون : هل يشترط في صيام الست أن يكون بعد العيد مباشرة , أم يجوز تأخيرها ؟ وهل يشترط تتابعها وتواليها , أم يجوز تفريقها في شهر شوال ؟
الجواب : الذي عليه أكثر أهل العلم الجواز في الأمرين , فيجوز تأخير بعد العيد بعدة أيام , ويجوز تفريقها , ومن ذهب إلى استحباب تعجيل صيامها بعد العيد وتتابع صيامها – كالنووي – ؛ فلم يقل بأن الفضيلة منتفية لمن آخر صيامها وفرّقها , إنما يرى هذا من باب المبادرة والمسارعة في فعل الخيرات , وقد صرح القرطبي في " المفهم " (3/ 238) بجواز التراخي ؛ لما جاء في الحديث : " ثم أتبعه " , و ( ثم ) تدل على الترتيب مع التراخي .
بل قد ذهب ابن القيم في " مختصر السنن " (3/ 315) ، والقاري في " المرقاة " (4/545) ، والقرطبي في " المفهم " (3/237-238) إلى اختيار عدم وصلها برمضان – أي بعد العيد مباشرة - ؛ كي لا يفهم العوام والأعراب ونحوهم أن صيامها واجب ؛ فقد وقع المحذور في بلاد العجم –كما نقله بعضهم– حيث كانوا يسحّرون في الست بعد الفطر, ولا يظهرون ما يفعلونه في العيد إلا بعد انقضاء الست .
والذي يظهر أن المسارعة لفعل الخيرات أولى من تأخيرها , إلا إذا كان في ذلك مفسدة , ولا تدفع إلا بالتأخير ؛ فعند ذاك يكون التأخير أولى ، والله أعلم .
السؤال التاسع والثمانون : هل كره أحد من أهل العلم صيام الست من شوال ؟
الجواب : جاء عن مالك ، وأبي حنيفة كراهية ذلك , كي لا يظن الجفاة وجوبها , وقد تكلم ابن عبد البر في " الاستذكار " (10/259) على كراهية مالك لذلك ، إما لأنه لم يبلغه الخبر , واستبعد ذلك ؛ لأن الحديث مدني , وإما لأنه لم يصح عند مالك , وعلى كل حال فإذا ثبتت السنة , وقال بها أكثر أهل العلم ؛ فلا يجوز لرجل ترك السنة لترك أحد من أهل العلم لها, لاسيما وقد قال مطرف إن مالكًا كان يصومها لنفسه, كما في " المفهم " للقرطبي (3/238) , وإنما قال ما قال خشية المحذور , وأما متأخروا الأحناف ؛ فلم يأخذوا بقول إمامهم في ذلك , كما قال الطحاوي , نقله صاحب " بذل المجهول " (11/300) ، والله أعلم .
السؤال التسعون : رجل أفطر أيامًا في رمضان ؛ لعذر شرعي , وأراد أن يصوم ستًا من شوال , ولكنه ما قضى الأيام التي عليه من رمضان , هل تكون له فضيلة من صام رمضان ، وأتبعه بست من شوال , أم لا ؟
الجواب : جاء في " صحيح مسلم " من حديث أبي أيوب أن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - قال : " من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر " .
وظاهر هذا الحديث أن من عليه قضاء في رمضان , وصام الست من شوال ؛ فلا يصح أن يقال فيه : صام رمضان , ثم أتبعه بست من شوال؛ لأنه لا يكون صائمًا لرمضان إلا إذا أكمل عدته , وهذا ما ذهب إليه الحافظ ابن رجب الحنبلي في " لطائف المعارف " ص (249) , حيث قال : فمن كان عليه قضاء من شهر رمضان ؛ فليبدأ بقضائه من شوال , فإنه أسرع لبراءة ذمته , وهو أولى من التطوع قبله أم لا ؟ وعلى قول من جوَّز التطوع قبل القضاء ؛ فلا يحصل مقصود صيام ستة من شوال ، إلا لمن أكمل صيام رمضان , ثم أتبعه بست من شوال , كما لا يحصل لمن أفطر رمضان لعذر بصيام ستة من شوال آخر صيام السنة بغير إشكال , ومن بدأ بالقضاء في شوال ، ثم أراد أن يتبع ذلك بصيام ستة من شوال بعد تكملة قضاء رمضان ؛ كان حسنًا ؛ لأنه يصير حينئذٍ قد صام رمضان ، وأتبعه بست من شوال , ولا يحصل له فضل صيام ست من شوال بصوم قضاء رمضان ؛ لأن صيام الست من شوال إنما تكون بعد إكمال عدة رمضان اهـ .
وقول ابن رجب : كما لا يحصل لمن أفطر رمضان لعذر بصيام ستة من شوال آخر صيام السنة بغير إشكال . معناه : أن من قال بحصول الفضيلة لمن صام الست وعليه يوم من رمضان ؛ فيقال له : ولو كان عليه يومان , فهل تحصل له الفضيلة ؟ فإن قال : نعم , قيل : وثلاثة ؟ ... وهكذا , حتى يحد حدًا ويطالب بالدليل , أو يقول بالفضيلة لمن صام الست , ولو لم يصم كل رمضان لعذر , وهذا قول لا التفات إليه , وهو لازم لمن قال بالفضيلة لمن صام الست , وعليه يوم , فضلاً عن يومين فأكثر .
وذهب إلى ذلك أيضًا شيخنا محمد صالح العثيمين - حفظه الله - في " الشرح الممتع " (6/448-449) على أنه ينبغي التيقظ لمسألة , وهي: أن العلماء اختلفوا في جواز صوم النافلة لمن عليه قضاء في رمضان , فمنهم من كرهه ، ومنهم من أجازه ؛ وحجة من كرهه أن هذا مخالف للأمر بالمسارعة ، والمسابقة للخيرات , وأن هذا كمن يصلي نافلة ، وقد أقيمت الصلاة ؛ فلم يدخل في الجماعة , وأن في هذا تقديمًا للنافلة على الفرض , وهو غير الصواب , وأما من أجازه ؛ فقد استدل بأن الواجب موسّع الوقت , كمن يصلي سنة الظهر قبل الظهر , واتفقوا على أن تعجيل القضاء لا يلزم من ذلك أن يرى ثبوت الفضيلة لمن صام الست وعليه أيام من رمضان .
هذا وقد يستدل بعضهم بثبوت الفضيلة لمن صام الست وعليه أيام من رمضان بحديث عائشة عند البخاري (1950) ، ومسلم ( 1146) أنها قالت : " كان يكون عليّ الصوم من رمضان , فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان, الشغل من رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ", وقد بين بعض أهل العلم أن زيادة : " الشغل من رسول الله " مدرجة في الخبر , وعلى كل حال ؛ فوجه استدلال من استدل بهذا : أن عـائشة – رضي الله عنها – كانت تؤخر القضاء إلى شعبان ؛ لعذر , ويستبعد أن تمكث كل عام لا تصوم عرفة وعاشوراء وغير ذلك ؛ فلا مانع أن تكون قد صامت الست , ولا معنى لصيامها الست إلا لهذه الفضيلة .
والجواب : أن إمكان صيامها – رضي الله عنها – لأي نافلة غير الست ؛ فلا إشكال في ذلك , على مذهب من يرى جواز صيام النافلة لمن عليه قضـاء , ومن أين لقائله ذلك ؟ اهـ . من كلام الحـافظ في " الفتح " ( 4/ 191) .
وبخصوص إمكان صيامها - رضي الله عنها - للست من شوال ؛ فهو احتمال , وليس عندنا ما يلزمنا بقبوله أو رده , ومع الاحتمال ؛ فالبقاء على ظاهر النص أولى ؛ لأن قوله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - : " من صام رمضان... " لا يقال فيمن لم يتم عدة الصيام , وقد سبق إلزام من أثبت الفضيلة مع وجود قضاء لرمضان , أنه يلزمه أن من لم يصم رمضان كله ؛ لعذر , أنه يثبت له الفضيلة إذا صام الست , فإن فرّق ؛ طولب بالدليل الذي يدل على التفريق , ولا دليل معه على ذلك ، والعلم عند الله تعالى .
السؤال الحادي و التسعون : حول أحاديث ذكرها شيخنا الألباني – حفظه الله وعامله بلطفه وعفوه – في كتابيه : "سلسلة الأحاديث الضعيفة "، و " ضعيف الجامع " , أذكرها برقمها وحكمها , والمقصود من ذلك تحذير المسلمين منها :
1) حديث : " أما إني لا أَنْسى , ولكن أُنَسَّى لأشرَّع " . باطل لا أصل له , برقم (101) .
2) حديث : " الناس نيام , فإذا ماتوا انتبهوا " . لا أصل له , برقم (102) .
3) حديث : "لو خشع قلب هذا ؛ خشعت جوارحه" . موضوع , برقم ( 121) .
4) حديث : " قلّما يوجد في آخر الزمان درهم من حلال , أو أخٌ يوثق به " . ضعيف جدًا ، أو موضوع , برقم (121) .
5) حديث : " صلاة بعمامة تعدل خمسًا وعشرين صلاة بغير عمامة , وجمعة بعمامة تعدل سبعين جمعة بغير عمامة , إن الملائكة ليشهدون الجمعة معتمين , ولا يزالون يصلّون على أصحاب العمائم حتى تغرب الشمس " . موضوع , برقم (127) .
6) حديث : " ثلاثة يزِدْن في قوة البصر : النظر إلى الخُضْرة , وإلى الماء الجاري , وإلى الوجه الحسن " . موضوع , برقم (134) .
7) حديث : " إذا سمعتم بجبل زال عن مكانه ؛ فصدِّقوا , وإذا سمعتم برجل تغير عن خلقه ؛ فلا تصدقوا به , إنه يصير إلى ما جُبل عليه " . ضعيف ، بل منكر ، برقم ( 135) .
8) حديث : " تزوجوا ولا تطلقوا , فإن الطلاق يهتز له العرش ". موضوع , برقم (147) .
9) حديث : " إذا كان في الثوب قدر الدرهم من الدم ؛ غُسل الثوب , وأعيدت الصلاة " . موضوع , برقم (148) .
10) حديث : " السخيّ قريب من الله , قريب من الجنة , قريب من الناس , بعيد من النار , والبخيل بعيد من الله ، وبعيد من الجنة , بعيد من الناس , قريب من النار , وجهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل " . ضعيف جدًا ، برقم (154) .
11) حديث : " الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة , والتودد إلى الناس نصف العقل , وحسن السؤال نصف العلم " . ضعيف , برقم (157) .
12) حديث : " أَحِبُّوا العرب لثلاث : لأني عربي , والقرآن عربي, وكلام أهل الجنة عربي " . موضوع , برقم (160) .
13) حديث : " إذا ذلت العرب ؛ ذل الإسلام " . موضوع , برقم (163) .
14) حديث : " بركة الطعام الوضوء قبله وبعده ". ضعيف , برقم (168) .
15) حديث : " إن لكل شيء قلبًا , وإن قلب القرآن يس , من قرأها فكأنما قرأ القرآن عشر مرات " . موضوع ، برقم (169) .
16) حديث : " من وُلد له مولود , فسماه " محمدًا " تبرُّكًا به ؛ كان هو ومولوده في الجنة " . موضوع , برقم (171) .
17) حديث : " فكرة ساعة خير من عبادة ستين سنة ". موضوع, برقم ( 173) .
18) حديث: " خيركم المدافع عن عشيرته , ما لم يأثم ". موضوع, برقم ( 182) .
19) حديث : " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد " . ضعيف , برقم (183) .
20) حديث : " من سعادة المرء خفة لحيته " . موضوع , برقم (193) .
21) حديث : " حق الولد على الوالد أن يُحسِّن اسمه , ويحسّن أدبه " . موضوع , برقم (199) .
22) حديث : " أفضل الأيام يوم عرفة إذا وافق يوم الجمعة , وهو أفضل من سبعين حجة في غير جمعة " . باطل , لا أصل له , برقم (207) .
23) حديث : " من صام رمضان وستًا من شوال , والأربعاء والخميس ؛ فإذا أنت قد صمت الدهر " . ضعيف الجامع " , برقم (5662) .
24) حديث : " صم رمضان والذي يليه , وكل أربعاء وخميس ؛ فإذا أنت قد صمت الدهر " . ضعيف , " ضعيف الجامع " برقم (3488) .
25) حديث : " صم شوالاً " . ضعيف , " ضعيف الجامع " برقم (3489) .
هذه هي الحلقة السادسة وهي الأخيرة من فتاوى الصيام المنتقى من سلسلة الفتاوى الشرعية لشيخنا أبي الحسن حفظه الله تعالى ، وعملتها بهذه الطريقة خلافاً للحلقات الأولى التي كانت على ملفات وورد وذلك تطييباً لخاطر أخينا الهزبر كما في تعليقه على الحلقة الثانية ، مع أنه تعليق متأخر إلا أن فكرته كانت في نفسي لولا أن بعض الفتاوى طويلة جدا فرأيت أن تكون كلها في وورد والله المعين والموفق :
السؤال الثمانون : هل دعاء القنوت في الوتر له من معين أم هو مطلق ؟
الجواب : ليس هناك نص صحيح إلى رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - بتعيين ذلك أو إطلاقه , وأما حديث أنس : " أن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - كان يقنت في النصف من رمضان إلى آخره " ، فقد أخرجه ابن عدي ، والبيهقي , وفيه أبو عاتكة طريف بن سليمان , وهو ضعيف قاله الحافظ , والظاهر أنه أضعف من ذلك ؛ فهو ضعيف جدًا , وأما هذا الحديث ؛ فمن جملة أحاديث منكرة رُويت بنفس الإسناد , كما قاله ابن عدي - رحمه الله تعالى - .
والآثار الواردة عن الصحابة في تعيين الدعاء بالنصف الأخير من رمضان , ولعن الكفار ؛ لا تسلم من طعن , ولو صحّت ؛ فقد حملها القارئ في " مرقاة المفاتيح " (3/346) على زيادة قنوت خاص مخصوص بوقت غلبة الكفار , ودفعهم بالدعاء , قال : هو لا ينافي دوام القنوت المذكور في جميع السنة ، والله أعلم اهـ .
وفي " الموطأ " برقم (255) عن مالك عن داود بن الحصين ، سمعت الأعرج يقول : ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفار في رمضان . وهذا سند صحيح .
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة , فمنهم من خص الدعاء بالنصف من رمضان , ودليله ما قد سبق , وقد علمت ما فيه , ومنهم من جعله في السنة كلها – لمن شاء – وهو القول الذي رجع إليه أحمد؛ لأنه دعاء, كما في " سؤالات ابن هانئ " (1/99/497) : كنت أرى أن يقنت نصف السنة ، وإنما هو دعاء يقنت السنة أجمع ، لا بأس به اهـ . وانظر (1/100/ 500) من " سؤالات ابن هانئ " أيضًا .
فالذي يترجح من أقوال أهل العلم أن من أراد أن يدعو في وتره في أي وقت في الركعة الأخيرة ؛ فلا إنكار عليه ، والله أعلم .
السؤال الحادي و الثمـانون : نرى بعض النـاس إذا أراد أن يدعو قبل الركوع ؛ كبر ، ثم دعا , ثم كبر ، ثم ركع , فهل لها أصل في السنة ؟
الجواب : لم أقف على دليل مرفوع في ذلك مرفوع في ذلك , إنما صحّ عن عمر وعلي , وعند ابن أبي شيبة , وحكاه عن جماعة من السلف في " مصنفه " (2/ 101, 108) , فمن قال به استدل بفعل هذين الصحـابيين الخليفتين الراشدين , ومن منع منه ، كالشـافعي في " الأم " (1/260-261) , ونقله المروزي في " قيام الليل " ، كمـا في " مختصر قيام الليل " ص ( 319) , استدل بأنه تكبير زائد في الصلاة , لم يثبت بأصل ولا قياس اهـ . وإذا كنا قد قلنا بجواز دعاء الوتر ؛ لفعل الصحابة ذلك , فكيف نمنع من التكبير مع فعل عمر ، وعلي , وجماعة من السلف , ولم نعلم أحدًا صلى وراء عمر وعلي ، وأنكر ذلك عليهما, أو على أحدهما ، والله أعلم .
السؤال الثاني والثمانون : ما حكم رفع الأيدي في قنوت الوتر ؟
الجواب : رُوي في ذلك حديث أنس الذي أخرجه أحمد مطولاً ، والبيهقي مختصرًا , من طريق ثابت عن أنس بن مالك في قصة القراء وقتلهم, قال: فقال لي أنس : لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - كلما صلى الغداة رفع يديه يدعو عليهم , يعني على الذين قتلوهم .
وأخشى أن يكون رفع اليدين في هذا الطريق غير محفوظ ؛ لأن تلامذة أنس نحو العشرة رووا الحديث في " الصحيحين " وغيرهما بدون ذكر رفع الأيدي , وبقية الصحابة الذين رووا الحديث لم يذكروا فيه رفع اليدين , والله أعلم .
لكن ثبت عن عمر عند أبي شيبة وغيره من طريق أبي عثمان قال : كان عمر يقنت بنا بعد الركوع , ويرفع يديه , حتى يبدو ضبعاه , ويسمع صوته من وراء المسجد . والظاهر أن هذا في صلاة الغداة ؛ كما في رواية المروزي ، انظر " مختصر قيام الليل " ص (320) .
وثبت أيضًا عن ابن عباس عند أبي شيبة وغيره من طريق سفيان عن عوف عن خلاس بن عمرو الهجري عن ابن عباس أنه صلى ، فقنت بهم في الفجر بالبصرة , فرفع يديه حتى بدا ضعباه .
وبعض السلف أنكر رفع اليدين , فقد قال الزهري : لم تكن تُرفع الأيدي في الوتر في رمضـان . أخرجه عبد الرزاق وغيره بسند صحيح إليه, لكن مراسيل الزهري شبه الريح .
ومنهم من قال : هو دعاء في الصلاة؛ فلا ترفع فيه الأيدي كالتشهد.
وقد قال مالك والأوزاعي وآخرون بترك الرفع .
وقد اختار الإمام أحمد وجماعة من أهل العلم رفع اليدين , وهو الذي رجحه النووي في " المجموع " (3/499–500) ، وقد أجاب على الشيرازي عندما حصر رفع اليدين في مواضع في الدعاء , وساق أحاديث كثيرة في رفع اليدين في مواضع كثيرة .
فمن رفع يديه في الوتر ؛ نظر إلى أن بعض الصحابة قد ثبت عنهم الرفع في قنوت الفجر ؛ فمن باب أولى الوتر , ولأن في النافلة توسعًا , ولأن أصل القنوت في الوتر مأخوذ من القياس على قنوت النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - في الفريضة , وهناك آثار عن أبي هريرة ، وابن مسعود في الرفع من الوتر ، وفيها ضعف خفيف .
والذي يترجح لي أنه لا يُنكر على من رفع يديه ؛ لأخذه بفتوى من قاس على فعل عمر ، وابن عباس , ولا ينكر على من لم يرفع ؛ لما سبق, والأمر سهل , والخلاف فيه موجود بين العلماء ، والله أعلم .
السؤال الثالث والثمـانون : ما حكم مسح الوجه بالأيدي بعد الدعاء في الصلاة ؟
الجواب : أكثر أهل العلم على عدم المسح ؛ لأنه لم يصح في ذلك حديث إلى رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - , قال البيهقي - رحمه الله - في " الكبرى " (2/ 212) : فأما مسح اليدين بالوجه عند الفراغ من الدعاء ؛ فلست أحفظه عن أحد من السلف في دعاء القنوت, وإن كان يروي عن الفراغ من الدعاء خارج الصلاة , وقد روى فيه دعاء القنوت , وإن كان يروي عن بعضهم خارج الصلاة , وأما في الصلاة ؛ فهو عمل لم يثبت بخبر صحيح ، ولا أثر ثابت ، ولا قياس ؛ فالأولى أن لا يفعله , ويقتصر على ما فعله السلف - رضي الله عنهم -, من رفع اليدين دون مسحهما بالوجه في الصلاة , وبالله التوفيق اهـ .
وقد سئل عنه أحمد ؛ فقال : لم أسمع فيه شيئًا , كما في " سؤالات أبي داود " ص (71) ، وقال مرة : أرجو ألا يكون به بأس , كما في "بدائع الفوائد" (4/ 113) ، واختار تركه , والذي تطمئن إليه النفس ترك ذلك , كما قال الإمام البيهقي - رحمه الله تعالى - والله أعلم .
السؤال الرابع والثمانون : رجل صلى مع إمامه حتى انتهى من الوتر , ثم قام من الليل وأراد أن يصلي , فماذا يفعل ؟ لأن بعض الناس يقول له : صلّ ركعة أخرى تشفع لك ما صليت , ثم صلّ بعد ذلك ما شئت ثم أوتر , فهل هذا صحيح أم لا ؟
الجواب : هذا المسألة تسمى بنقض الوتر , وقد اختلف فيها أهل العلم .
فصحّ عن ابن عمر أنه كان إذا قام يشفع وتره بأخرى , ثم يصلي , ثم يوتر , وأنكر ذلك ابن عباس , فقال : إن ابن عمر ليوتر في الليلة ثلاث مرات . وأخرجه عبد الرزاق من طريق الزهري عن ابن عباس , والظاهر أن الزهري لم يسمع من ابن عباس .
وقد صحّ عن ابن عباس أنه قال : إذا أوترت من أول الليل ؛ فصل شفعًا حتى تصبح .
وهذه المسألة قد قال بكل قول فيها جماعة :
واستدل من قال بنقض الوتر بما جاء في " صحيح مسلم" برقم (1752) من حديث ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - قال : " اجعلوا آخر صلاة ليلكم وترًا " .
وأما من قال بعدم نقض الوتر ؛ فقد استدل بحديث قيس بن طلق بن علي , قال : زارنا أبي طلقُ بنُ علي في يوم من رمضان ؛ فأمسى بنا , وقام بنا تلك الليلة , وأوتر بنا , ثم انحدر إلى المسجد ؛ فصلى بأصحابه , حتى بقي الوتر , ثم قدّم رجلاً , فقال له : أوتر بهم ؛ فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - يقول : " لا وتران في ليلة " . أخرجه النسائي والترمذي وغيرهما , وقيس فيه كلام , لكنه هنا يروي قصة وقعت له , مما يرجح ضبطه لها .
قالوا : فمن نقض وتره ؛ فقد صلى وترين وزيادة في ليلة واحدة .
وقالوا أيضًا : وكيف تتصل بصلاة وبينهما أكل ، وشرب ، ونوم ، وإحداث ونحو ذلك من مبطلات الصلاة ؟
وقد قال الترمذي - رحمه الله – بعد إخراج الحديث : واختلف أهل العلم في الذي يوتر من أول الليل , ثم يقوم آخره , فرأى بعض أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ومن بعدهم نقض الوتر ، وقالوا : يضيف إليها ركعة ، ويصلي ما بدا له ، ثم يوتر في آخر صلاته ؛ لأنه " لا وتران في ليلة "( ) ، وهو الذي ذهب إليه إسحاق .
وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وغيرهم : إذا أوتر من أول الليل , ثم نام , ثم قام من آخر الليل؛ فإنه يصلي ما بداله , ولا ينقص وتره , ويدع وتره على ما كان , وهو قول سفيان الثوري ، ومالك بن أنس ، وابن المبارك ، والشافعي ، وأهل الكوفة ، وأحمد , ثم يوتر آخر صلاته , وليس ذلك لمن أوتر مرة ؛ إذ ليس من السنة أن يوتر في ليلة مرتين... اهـ . انظر " الأوسط " لابن المنذر (5/198) . ثم قال ابن المنذر : ولا أعلم اختلافًا في أن رجلاً بعد أن أدى صلاة فرض كما فرضت عليه , ثم أراد بعد أن فرغ منها نقضها, أن لا سبيل له إليه ؛ فحكم المختلف فيه من الوتر حكم ما لا نعلمهم اختلفوا فيه مما ذكرناه , وكذلك الحج ، والصـوم ، والعمـرة ، والاعتكاف , لا سبيل إلى نقض شيء منها بعد أن يكملها... اهـ .
وهذا هو القول الراجح نقلاً ، وعقلاً ، وقياسًا , ومع ذلك فمن أخذ بالقول الأول ؛ فلا يُرمى بذم ؛ لأنه مسبوق بجماعة من أهل العلم ، والله تعالى أعلم .
السؤال الخامس والثمانون: نرى في بعض المساجد في صلاة التراويح من يؤم الناس بالمصحف , فهل هذا صحيح أم لا ؟
الجواب : الأصل أن القراءة من حفظ الرجل أقرب إلى السنة وأنفع لصـاحبها , حيث إنها تثبت القرآن في قلبه , وقد رخّص الإمـام مالك - رحمه الله - عندما سئل عن ذلك , فقال : إذا اضطر الناس إلى ذلك , وثبت عن عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - أن غلامها ذكوان كان يؤمها من المصحف . أخرجه ابن أبي شيبة في " مصنفه " ، وابن أبي داود في " المصاحف " , وقد ذكرا أسانيد كثيرة لمن رخّص في ذلك , ولمن منع من ذلك .
والذي رخص نظر إلى أن قراءة القرآن من أعمال الصلاة , والنافلة قد تُوسَّع فيها , وقد فعلته أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - ؛ ولأن من لا يحفظ شيئًا من القرآن ، واحتاج إلى ترديد سورة أو سورتين أو نحو ذلك ؛ لا ينشط الناس للصلاة معه .
ومن منع من ذلك نظر إلى أنه تشبه بأهل الكتاب , وأنه فعلٌ في الصلاة ليس له دليل يشهد لصحته .
وأكثر العلماء على الجواز بضوابط , مع إقرارهم بأن القراءة من الحفظ أولى , وقد رُوي عن الزهري أنه سئل عن ذلك , فقال : مازالوا يفعلون ذلك منذ كان الإسلام , كان خيارنا يقرؤون في المصاحف . لكن في سنده عبد العزيز بن محمد وهو الدراوردي , وابن أخي الزهري, وكلاهما لا يُحتج به .
وإذا كان القارئ حافظًا ؛ وأخذ أحد خلفه المصحف , ونظر فيه ليفتح عليه ؛ فقد جاء في " مصنف ابن أبي شيبة " (2/125/7222) : حدثنا يحيى بن آدم قال : حدثنا عيسى بن طهمان , قال : حدثني ثابت البناني , قال : كان أنس يصلي وغلامه يمسك المصحف خلفه , فإذا تعايا في آية ؛ فتح عليه . وهذا سند حسن , رجاله كلهم ثقات إلا عيسى بن طهمان ؛ فهو صدوق .
فمن فعل ذلك واقتدى بأنس – رضي الله عنه – ؛ فأرجو أن يكون في الأمر سعة , ومن كان يصلي وبجواره المصحف ؛ فإن عجز عن شيء نظر في المصحف , فقد صحّ نحو هذا عن ابن سيرين , أخرجه ابن أبي داود في " المصاحف " ص (194) من وجوه كثيرة أنه كان يصلي قاعدًا والمصحف إلى جنبه , فإذا شك في شيء ؛ نظر فيه , وهو في الصلاة . وفي رواية : أخذه ؛ فنظر فيه .
وقد ذهب أبو حنيفة - رحمه الله – إلى فساد صلاة من قرأ في صلاة التراويح من المصحف , وتعقبه المروزي , كما في " مختصر قيام الليل " ص (234) بأنه لا يعلم أحدًا قبل أبي حنيفة أفسد صلاته , وردّ على قياس أبي حنيفة ذلك بمن نظر أثناء الصلاة في كتب الحساب .
وذهب ابن حزم في " المحلى " (4/ 223) برقم ( 493) إلى بطلان صلاة من فعل ذلك .
والراجح أن ذلك جائز عند الحاجة , وعند عدم الحاجة ؛ فيكره , وأما أن يمسك الإمام المصحف ، والناس من خلفه يمسكون المصاحف ، – كما رأيته في بعض المساجد – ؛ فهذا لم أقف عليه من فعل السلف , ولا حاجة للمأمومين في ذلك , ويُخشى على أن الناس أن يتوسعوا كل يوم بشيء لم يؤثر عن سلفهم ؛ فيضلوا السبيل , والله المستعان .
السؤال السادس والثمانون : هل الاعتكاف في جميع المساجد , أم في المسجد الثلاثة : المسجد الحرام , ومسجد رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ، والمسجد الأقصى ؟
الجواب : اختلف أهل العلم في هذه المسألة : فمنهم مَن ذهب إلى العموم , واستدل بقوله تعالى : وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ [البقرة : 187] ؛ فلم يخص مسجدًا دون آخر .
ومنهم من ذهب إلى التخصيص بالمساجد الثلاثة , واستدل بحديث حذيفة – رضي الله عنه – أنه جاء إلى عبد الله بن مسعود , وقال له : قوم عكوف بين دارك ودار أبي موسى , لا تنهاهم وقد علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - قال : " لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة : المسجد الحرام , ومسجد النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ، ومسجد بيت المقدس " ؟ فقال عبد الله بن مسعود: فلعلهم أصابوا وأخطأت , وحفظوا ونسيت. أخرجه الإسماعيلي والدار قطني وغيرهما . وهذا الحديث وقع فيه اختلاف كثير سندًا ومنتًا , فمن ذلك :
ٍ1) اختلف هل هو موقوف على حذيفة ، أم أنه مرفوع إلى رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ؟ والظاهر عندي أن الرفع زيادة ثقة مقبولة .
2) واختلف هل هو صريح في الرفع إلى رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - , أم ليس كذلك ؟ كما في قول حذيفة في روايات أخرى : " وقد علمت أنه لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة " , والظاهر أنه وقع التصريح بالرفع , لكن حدث بين المصرحين بالرفع خلاف في المتن, هل هو مجزوم به أم مشكوك فيه ؟ كما في رواية سعيد بن منصور, وفيها : وقد علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - قال : "لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة , أو قال : في مسجد جامع". وسعيد ابن منصور الذي روى المشكوك فيها والصريحة في الرفع ؛ أرجح من الذين رووها صريحة في الرفع مجزومًا بها ؛ لحفظه , ولضعف بعضهم , وضعف الطريق إليه , والشك لا يعمل به .
3) واختلف في الترجيح بين الروايات المصرحة بالرفع, والأخرى التي فيها قول حذيفة : " وقد علمت أنه لا اعتكاف إلا في المسجد الثلاثة " .
4) واختلف في قول حذيفة : " وقد علمت أنه لا اعتكف... الخ " . هل هذا معناه : أنك يا ابن مسعود علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - قال كذا ؟ أم معناه : وقد علمت من المتبادر من النصوص , أو من فهمك للقواعد أنه لا اعتكاف... الخ ؟ وإن كانت النفس تميل إلى أن المتبادر من ذلك أنه إحالة إلى العلم المأخوذ ممن جعله الله حجة على الخلق - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - .
5) وفي بعض الروايات أن حـذيفة عندما قـال له ابن مسعـود : " فلعلهم أصابوا... الخ " ، لم يتعقبه حذيفة بشيء , وفي بعضهـا قال : " أما أنا فقد علمت أنه لا اعتكاف... الخ " , وفي بعضها أن ابن مسعود لم يرد عليه بشيء .
فالذي تميل إليه نفسي في النهاية ثبوت الحديث مجزومًا به , لا بالرفع الصريح ؛ إنما له حكم الرفع - على ما فيه من أخذ ورد - .
ومع هذه العقبات في الترجيح , وإنكار ابن مسعود على حذيفة , حتى قال له : " فلعلهم حفظوا ونسيت , وأصابوا وأخطأت " , فأنكر عليه روايةً وواقعًا , وقد فهم الطحاوي من ذلك ، كما في " المشكل " (7/ 201 وما بعدها ) أن ابن مسعود قد حفظ ما ينسخ حديث حذيفة الذي رواه عن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - .
فإن قيل : قول ابن مسعود : " لعلهم حفظوا ونسيت... الخ " من باب الترجي , ولم يجزم به ؛ فنترك المشكوك فيه للمجزوم به .
فالجواب : أن هذا من ابن مسعود ليس من بـاب الشك , بل هـو - والله أعلم – من باب التلطف في القول مع حذيفة , لاسيما وقد جاءه منكرًا عليه , وكيف يقال : إنه من باب الشك , وهذا ابن مسعود لم يتراجع عن قوله ؛ فهل يظن بابن مسعود أنه يترك اليقين الذي يخبره به حذيفة , ويتمسك بالشك ؟
فإن قيل : وهذا حـذيفة لم يتراجع عن قوله , وهل يُظن بحـذيفة - رضي الله عنه - أنه يعلم بالناسخ ولا يذهب إليه ؟
فالجواب : يحتمل أن حذيفة ما رأى الذي إليه ابن مسعود ناسخًا لدليله ؛ فبقي على ما عنده , لكن قول ابن مسعود : " لعلهم حفظوا ونسيت " دليل على وجود سنة حفظوها ، ونسيها حذيفة , أو علموا ما لم يعلمه حذيفة .
فإن قيل : وهـذا ابن مسعود لم يذكر صـارفًا من لفظ رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - لما قاله حذيفة .
فالجواب : أن الصحابي عدل في نقله ونقده , وهم أهل العلم واللسان , فإذا قال: أوجب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كذا أو حرم كذا ؛ فلا نحتاج أن نطالبه بنص قول رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - , كما هو معروف في مثل هذا الموضع في كتب علوم الحديث المعروفة بكتب المصطلح .
فإن قيل : ابن مسعود هنا لم يُحل حذيفة على معنى مأخوذ من قول رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - أو فعله , بخلاف ما ذكرت عن كتب علوم الحديث .
فالجواب : أن هذا هو المتبادر من قوله : " حفظوا ونسيت " , والله أعلم .
ففي نهاية الأمر ألخص الأدلة التي قّوت في نفسي الأخذ بالعموم :
1) العقبات الكثيرة التي في سبيل من رجح ثبوت الحديث مجزومًا به, بصيغة لها حكم الرفع .
2) عدم تسليم ابن مسعود لحذيفة بما ذهب إليه , وقوله له : " لعلهم حفظوا ونسيت , وأصابوا وأخطأت " ، وهذا يشير إلى دليل أقوى مما ذهب إليه حذيفة يجوز الاعتكاف في المسجد الجامع ؛ لأن الرواية وردت بأنهم كانوا في المسجد الجامع بالكوفة .
3) أن العلماء بعد ذلك رأوا جواز الاعتكاف في جميع المساجد , ولم أعلم أحدًا صحّ عنه القول بالمنع ، إلا في المسجد الثلاثة غير حذيفة , أما سعيد بن المسيب ؛ ففي سنده عنعنة قتادة , وأما عطاء ؛ فقد اختلف عنه الرواية بوجوه أخرى , والله أعلم .
ومنهم من قال : وحديث حذيفة محمول على الاعتكاف الأكمل ؛ لفضيلة هذه المساجد , والله أعلم .
وأما الاستدلال بحديث: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد... " الحديث , وما ورد في فضل الصلاة المسجد الحرام ، ومسجد رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ؛ فقد أجاب عليه أبو بكر الجصاص في " أحكام القرآن " (1/295) ؛ فارجع إليه , ولا يلزم من فضيلة هذه المساجد , والله أعلم .
وأما حديث عائشة : " السنة على المعتكف ألا يعود مريضًا , ولا يمس امرأة ولا يباشرها , ولا يخرج لحاجة ، إلا ما لابد منه , ولا اعتكاف ، إلا في مسجد جامع " . أخرجه أبو داود وغيره , وسنده ضعيف , فيه عبد الرحمن بن إسحاق : صدوق يخطئ , وقال أبو داود عقب إخراج الحديث : غير عبد الرحمن لا يقول فيه : قالت : " السنة ", وجعله من قول عائشة , وكلام البيهقي في " السنن الكبرى " (4/ 321)، وفي غير السنن يدل على أن الحافظ وهّموا من جعله عن عائشة, إنما هو قول عروة ، والزهري , وانظر " سنن الدار قطني " (2/201) .
تنيبة : إذا كان الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة جائزاً ؛ فهل يدخل في ذلك المسجد الجامع الذي تقام فيه الجمعة , وغير الجامع الذي تقام فيه الجماعات فقط , أن هذا الحكم خاص بالمسجد الجامع فقط ؟
والذي ينظر في كلام أهل العلم يجد فيه خلافًا كثيرًا , والذي تميل إليه النفس الأخـذ بعموم الآية , وَأَنْتُمْ عَـاكِفُونَ فِي المَسَاجِـدِ و (الـ ) هنا تفيد العموم , وحجة من منع من مسجد الجماعات أن من اعتكف فيه احتاج إلى الخروج منه للجمعة , ولا بأس في ذلك ؛ فإنها مما لا بد منه , كما يباح للمعتكف الخروج منه للجمعة , ولا بأس في ذلك؛ فإنها مما لا بد منه , كما يباح للمعتكف الخروج لقضاء حاجته وأكله وشربه ونحو ذلك , وإذا كانت مدة الاعتكاف بين الجمعتين ؛ فالخلاف أخف , ولو اعتكف في مسجد جامع بدون تكليف ومشقة عليه ؛ فهو الأولى ؛ للخروج من الخلاف , وجواز الاعتكاف في مسجد الجماعة نسبه الجصاص في " أحكام القرآن " للأكثر , وعدّه الصنعاني في "العدة" (3/ 439) أوضح الأقوال ، والله أعلم .
تنبية آخر : ادعى جماعة من أهل العلم الإجماع على شرطية المسجد في الاعتكاف , وأنه لا يجوز خارج المسجد ؛ للآية – على خلاف في تحديد المسجد ، كما سبق – ، إلا أن هذا الإجماع لا يتم ؛ لمخالفة عائشة - رضي الله عنها - , وبعض المالكية وبعض الحنفية , لكن أثر عائشة يحتمل التـأويل , ومخالفة الآخـرين ؛ فلعلها محجوبة بما سبق من اتفاق , والله أعلم .
وتفصيل الجـواب على هذا السؤال وأكثر أسئلة هـذا العدد في "التوضيح" ، والله تعالى أعلم .
السؤال السابع والثمانون : سمعنا أن الحديث الوارد في فضل صيام الست من شوال قد طعن فيه العلماء ؛ فهل هذا صحيح ؟
الجواب : جاء في " صحيح مسلم " برقم (1164) من حديث أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه – أن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - قال : " من صام رمضان , ثم أتبعه ستًا من شوال ؛ كان كصيام الدهر " .
وقد روى هذا الحديث كثير من المصنفين في السنن والمسانيد والأجزاء , وقد طعن فيه الحافظ ابن دحية , وبرهن على قوله بأنه من أفراد سعد بن سعيد بن قيس الأنصاري , وهو ممن لا يحتج به , وقد رد عليه الحافظ العلائي في جزء خاص سماه " رفع الأشكال عن صيام سن من شوال " , وذكر أن سعدًا هذا قد توبع , وذكر شواهد للحديث من حديث جماعة آخرين من الصحابة - رضي الله عنهم -, وقد تكلم أيضًا الحافظ الدمياطي والعرقي وغيرهما مدافعين عن هذا الحديث , وقد تكلمت على طرقه في جزء خاص , والإمام مسلم قد يخرج حديث الرجل الضعيف الذي له شواهد تقويه , أو ما علم أنه حفظه , لاسيما وقد رواه عن سعد جمع كثير فوق العشرين , كما ذكر غير واحد من أهل العلم , وهذه قرائن يرجح بها العلماء ثبوت الحديث ، والله أعلم .
السؤال الثامن والثمانون : هل يشترط في صيام الست أن يكون بعد العيد مباشرة , أم يجوز تأخيرها ؟ وهل يشترط تتابعها وتواليها , أم يجوز تفريقها في شهر شوال ؟
الجواب : الذي عليه أكثر أهل العلم الجواز في الأمرين , فيجوز تأخير بعد العيد بعدة أيام , ويجوز تفريقها , ومن ذهب إلى استحباب تعجيل صيامها بعد العيد وتتابع صيامها – كالنووي – ؛ فلم يقل بأن الفضيلة منتفية لمن آخر صيامها وفرّقها , إنما يرى هذا من باب المبادرة والمسارعة في فعل الخيرات , وقد صرح القرطبي في " المفهم " (3/ 238) بجواز التراخي ؛ لما جاء في الحديث : " ثم أتبعه " , و ( ثم ) تدل على الترتيب مع التراخي .
بل قد ذهب ابن القيم في " مختصر السنن " (3/ 315) ، والقاري في " المرقاة " (4/545) ، والقرطبي في " المفهم " (3/237-238) إلى اختيار عدم وصلها برمضان – أي بعد العيد مباشرة - ؛ كي لا يفهم العوام والأعراب ونحوهم أن صيامها واجب ؛ فقد وقع المحذور في بلاد العجم –كما نقله بعضهم– حيث كانوا يسحّرون في الست بعد الفطر, ولا يظهرون ما يفعلونه في العيد إلا بعد انقضاء الست .
والذي يظهر أن المسارعة لفعل الخيرات أولى من تأخيرها , إلا إذا كان في ذلك مفسدة , ولا تدفع إلا بالتأخير ؛ فعند ذاك يكون التأخير أولى ، والله أعلم .
السؤال التاسع والثمانون : هل كره أحد من أهل العلم صيام الست من شوال ؟
الجواب : جاء عن مالك ، وأبي حنيفة كراهية ذلك , كي لا يظن الجفاة وجوبها , وقد تكلم ابن عبد البر في " الاستذكار " (10/259) على كراهية مالك لذلك ، إما لأنه لم يبلغه الخبر , واستبعد ذلك ؛ لأن الحديث مدني , وإما لأنه لم يصح عند مالك , وعلى كل حال فإذا ثبتت السنة , وقال بها أكثر أهل العلم ؛ فلا يجوز لرجل ترك السنة لترك أحد من أهل العلم لها, لاسيما وقد قال مطرف إن مالكًا كان يصومها لنفسه, كما في " المفهم " للقرطبي (3/238) , وإنما قال ما قال خشية المحذور , وأما متأخروا الأحناف ؛ فلم يأخذوا بقول إمامهم في ذلك , كما قال الطحاوي , نقله صاحب " بذل المجهول " (11/300) ، والله أعلم .
السؤال التسعون : رجل أفطر أيامًا في رمضان ؛ لعذر شرعي , وأراد أن يصوم ستًا من شوال , ولكنه ما قضى الأيام التي عليه من رمضان , هل تكون له فضيلة من صام رمضان ، وأتبعه بست من شوال , أم لا ؟
الجواب : جاء في " صحيح مسلم " من حديث أبي أيوب أن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - قال : " من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر " .
وظاهر هذا الحديث أن من عليه قضاء في رمضان , وصام الست من شوال ؛ فلا يصح أن يقال فيه : صام رمضان , ثم أتبعه بست من شوال؛ لأنه لا يكون صائمًا لرمضان إلا إذا أكمل عدته , وهذا ما ذهب إليه الحافظ ابن رجب الحنبلي في " لطائف المعارف " ص (249) , حيث قال : فمن كان عليه قضاء من شهر رمضان ؛ فليبدأ بقضائه من شوال , فإنه أسرع لبراءة ذمته , وهو أولى من التطوع قبله أم لا ؟ وعلى قول من جوَّز التطوع قبل القضاء ؛ فلا يحصل مقصود صيام ستة من شوال ، إلا لمن أكمل صيام رمضان , ثم أتبعه بست من شوال , كما لا يحصل لمن أفطر رمضان لعذر بصيام ستة من شوال آخر صيام السنة بغير إشكال , ومن بدأ بالقضاء في شوال ، ثم أراد أن يتبع ذلك بصيام ستة من شوال بعد تكملة قضاء رمضان ؛ كان حسنًا ؛ لأنه يصير حينئذٍ قد صام رمضان ، وأتبعه بست من شوال , ولا يحصل له فضل صيام ست من شوال بصوم قضاء رمضان ؛ لأن صيام الست من شوال إنما تكون بعد إكمال عدة رمضان اهـ .
وقول ابن رجب : كما لا يحصل لمن أفطر رمضان لعذر بصيام ستة من شوال آخر صيام السنة بغير إشكال . معناه : أن من قال بحصول الفضيلة لمن صام الست وعليه يوم من رمضان ؛ فيقال له : ولو كان عليه يومان , فهل تحصل له الفضيلة ؟ فإن قال : نعم , قيل : وثلاثة ؟ ... وهكذا , حتى يحد حدًا ويطالب بالدليل , أو يقول بالفضيلة لمن صام الست , ولو لم يصم كل رمضان لعذر , وهذا قول لا التفات إليه , وهو لازم لمن قال بالفضيلة لمن صام الست , وعليه يوم , فضلاً عن يومين فأكثر .
وذهب إلى ذلك أيضًا شيخنا محمد صالح العثيمين - حفظه الله - في " الشرح الممتع " (6/448-449) على أنه ينبغي التيقظ لمسألة , وهي: أن العلماء اختلفوا في جواز صوم النافلة لمن عليه قضاء في رمضان , فمنهم من كرهه ، ومنهم من أجازه ؛ وحجة من كرهه أن هذا مخالف للأمر بالمسارعة ، والمسابقة للخيرات , وأن هذا كمن يصلي نافلة ، وقد أقيمت الصلاة ؛ فلم يدخل في الجماعة , وأن في هذا تقديمًا للنافلة على الفرض , وهو غير الصواب , وأما من أجازه ؛ فقد استدل بأن الواجب موسّع الوقت , كمن يصلي سنة الظهر قبل الظهر , واتفقوا على أن تعجيل القضاء لا يلزم من ذلك أن يرى ثبوت الفضيلة لمن صام الست وعليه أيام من رمضان .
هذا وقد يستدل بعضهم بثبوت الفضيلة لمن صام الست وعليه أيام من رمضان بحديث عائشة عند البخاري (1950) ، ومسلم ( 1146) أنها قالت : " كان يكون عليّ الصوم من رمضان , فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان, الشغل من رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ", وقد بين بعض أهل العلم أن زيادة : " الشغل من رسول الله " مدرجة في الخبر , وعلى كل حال ؛ فوجه استدلال من استدل بهذا : أن عـائشة – رضي الله عنها – كانت تؤخر القضاء إلى شعبان ؛ لعذر , ويستبعد أن تمكث كل عام لا تصوم عرفة وعاشوراء وغير ذلك ؛ فلا مانع أن تكون قد صامت الست , ولا معنى لصيامها الست إلا لهذه الفضيلة .
والجواب : أن إمكان صيامها – رضي الله عنها – لأي نافلة غير الست ؛ فلا إشكال في ذلك , على مذهب من يرى جواز صيام النافلة لمن عليه قضـاء , ومن أين لقائله ذلك ؟ اهـ . من كلام الحـافظ في " الفتح " ( 4/ 191) .
وبخصوص إمكان صيامها - رضي الله عنها - للست من شوال ؛ فهو احتمال , وليس عندنا ما يلزمنا بقبوله أو رده , ومع الاحتمال ؛ فالبقاء على ظاهر النص أولى ؛ لأن قوله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - : " من صام رمضان... " لا يقال فيمن لم يتم عدة الصيام , وقد سبق إلزام من أثبت الفضيلة مع وجود قضاء لرمضان , أنه يلزمه أن من لم يصم رمضان كله ؛ لعذر , أنه يثبت له الفضيلة إذا صام الست , فإن فرّق ؛ طولب بالدليل الذي يدل على التفريق , ولا دليل معه على ذلك ، والعلم عند الله تعالى .
السؤال الحادي و التسعون : حول أحاديث ذكرها شيخنا الألباني – حفظه الله وعامله بلطفه وعفوه – في كتابيه : "سلسلة الأحاديث الضعيفة "، و " ضعيف الجامع " , أذكرها برقمها وحكمها , والمقصود من ذلك تحذير المسلمين منها :
1) حديث : " أما إني لا أَنْسى , ولكن أُنَسَّى لأشرَّع " . باطل لا أصل له , برقم (101) .
2) حديث : " الناس نيام , فإذا ماتوا انتبهوا " . لا أصل له , برقم (102) .
3) حديث : "لو خشع قلب هذا ؛ خشعت جوارحه" . موضوع , برقم ( 121) .
4) حديث : " قلّما يوجد في آخر الزمان درهم من حلال , أو أخٌ يوثق به " . ضعيف جدًا ، أو موضوع , برقم (121) .
5) حديث : " صلاة بعمامة تعدل خمسًا وعشرين صلاة بغير عمامة , وجمعة بعمامة تعدل سبعين جمعة بغير عمامة , إن الملائكة ليشهدون الجمعة معتمين , ولا يزالون يصلّون على أصحاب العمائم حتى تغرب الشمس " . موضوع , برقم (127) .
6) حديث : " ثلاثة يزِدْن في قوة البصر : النظر إلى الخُضْرة , وإلى الماء الجاري , وإلى الوجه الحسن " . موضوع , برقم (134) .
7) حديث : " إذا سمعتم بجبل زال عن مكانه ؛ فصدِّقوا , وإذا سمعتم برجل تغير عن خلقه ؛ فلا تصدقوا به , إنه يصير إلى ما جُبل عليه " . ضعيف ، بل منكر ، برقم ( 135) .
8) حديث : " تزوجوا ولا تطلقوا , فإن الطلاق يهتز له العرش ". موضوع , برقم (147) .
9) حديث : " إذا كان في الثوب قدر الدرهم من الدم ؛ غُسل الثوب , وأعيدت الصلاة " . موضوع , برقم (148) .
10) حديث : " السخيّ قريب من الله , قريب من الجنة , قريب من الناس , بعيد من النار , والبخيل بعيد من الله ، وبعيد من الجنة , بعيد من الناس , قريب من النار , وجهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل " . ضعيف جدًا ، برقم (154) .
11) حديث : " الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة , والتودد إلى الناس نصف العقل , وحسن السؤال نصف العلم " . ضعيف , برقم (157) .
12) حديث : " أَحِبُّوا العرب لثلاث : لأني عربي , والقرآن عربي, وكلام أهل الجنة عربي " . موضوع , برقم (160) .
13) حديث : " إذا ذلت العرب ؛ ذل الإسلام " . موضوع , برقم (163) .
14) حديث : " بركة الطعام الوضوء قبله وبعده ". ضعيف , برقم (168) .
15) حديث : " إن لكل شيء قلبًا , وإن قلب القرآن يس , من قرأها فكأنما قرأ القرآن عشر مرات " . موضوع ، برقم (169) .
16) حديث : " من وُلد له مولود , فسماه " محمدًا " تبرُّكًا به ؛ كان هو ومولوده في الجنة " . موضوع , برقم (171) .
17) حديث : " فكرة ساعة خير من عبادة ستين سنة ". موضوع, برقم ( 173) .
18) حديث: " خيركم المدافع عن عشيرته , ما لم يأثم ". موضوع, برقم ( 182) .
19) حديث : " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد " . ضعيف , برقم (183) .
20) حديث : " من سعادة المرء خفة لحيته " . موضوع , برقم (193) .
21) حديث : " حق الولد على الوالد أن يُحسِّن اسمه , ويحسّن أدبه " . موضوع , برقم (199) .
22) حديث : " أفضل الأيام يوم عرفة إذا وافق يوم الجمعة , وهو أفضل من سبعين حجة في غير جمعة " . باطل , لا أصل له , برقم (207) .
23) حديث : " من صام رمضان وستًا من شوال , والأربعاء والخميس ؛ فإذا أنت قد صمت الدهر " . ضعيف الجامع " , برقم (5662) .
24) حديث : " صم رمضان والذي يليه , وكل أربعاء وخميس ؛ فإذا أنت قد صمت الدهر " . ضعيف , " ضعيف الجامع " برقم (3488) .
25) حديث : " صم شوالاً " . ضعيف , " ضعيف الجامع " برقم (3489) .