الهزبر
18-09-2006, 12:34 AM
هكذا هكذا وإلا فلا لا
http://www.almarefah.com/images/mm110.jpg
مظفر بشير - بغداد
]
(لا) حرف جواب يفيد النفي والرفض القاطع والإنكار أحيانًا، مقابل (نعم) حرف الجواب الذي يفيد الإثبات والرضا والقبول، وهما يمثلان موقفين متناقضين من مواقف الإنسان المهمة، إذ يكون فيها المرء مسؤولاً عن كلامه وعن تعهداته.
فإذا قال نعم كان مسؤولاً عن الموافقة والرضا والقبول وما تجر من مواقف وتبعات، فإن أيقن أنه قادر على كل ذلك فليقلها وإلا فليحجم عنها إلى ضدها فيقول (لا)، وفي ذلك يقول الشاعر:
إذا قلت في شيء نعم فأتمه فإن نعم دين على الحر واجب
فإن لم يستطع أداء هذا الدين فليقل (لا) ليستريح ويريح الآخرين من تبعاتها.
فقول (لا) في بعض المواقف تكون هي المفضلة، وفيها السلامة والراحة والتخلص من أعباء المسؤوليات المختلفة. قال بعضهم (لا أدري) ـ وهي من أخوات لا ـ نصف العلم إذا قلت أدري سألوك حتى لا تدري، وإذا قلت لا أدري علموك حتى تدري.
و(لا) تكون ملائمة لبعض الأمزجة الراضية بالقليل القانعة، وللنفوس المطمئنة الهادئة، فهذا جميل بثينة العذري المزاج والهوى يقول:
وإني لأرضى من بثينة بالذي
لو أبصره الواشي لقرت بلابله
بـ لا وبألا أستطيع وبالمنى
وبالأمل المرجو قد خاب آمله
ولكنه يرفض البوح بحبها بقوة وإصرار، فيلجأ إلى تأكيد النفي لفظيًا بتكرار (لا) فيقول:
لا لا أبوح بحب بثنة إنها
أخذت علي مواثقًا وعهودا
ولكن ألست ترى معي أيها القارئ العزيز أن هذا الإصرار على نفي البوح بالحب يخفي وراءه حبًا عذريًا طاغيًا، وأن هذا النفي المؤكد هو أبلغ في التعبير من هذا الحب الطاغي من الإقرار والإشهار؟
وقد قابلته بثينة حبًا بحب، وإخلاصًا بإخلاص وتضحية بتضحية، وثباتًا على الحب بمثله، فهي تقول بعد سماعها نعيه:
وإن سلوي عن جميل لساعة
من الدهر لا حانت ولا حان حينها
سواء علينا ياجميل بن معمر
إذا مت بأساء الحياة ولينها
فهي ترفض النسيان، وتقر دوام الحب ودوام الحزن. فهي بعد وفاته، موقفها ثابت مهما تغيرت ظروف الحياة.
وليس جميل وحده يلجأ إلى تكرار (لا) مؤكدًا النفي والرفض، فهذا المتنبي في أحد مدائحه يتباهى بالمعالي التي وصل إليها ممدوحه، ويطلب من الطامحين إلى أمثالها أن يحذوا حذوه، وإلا فإنهم يظلون بعيدين عنها فيقول:
ذي المعالي فليعلون من تعالى
هكذا هكذا وإلا فلا لا
وقد قلنا إن (نعم) هو حرف جواب يفيد الإيجاب والرضا والقبول، ولكن هذا يكون في السؤال المثبت فقط. أما في السؤال المنفي، وهو الذي يجتمع فيه سؤال ونفي، فتكون (بلى) هي حرف الإيجاب، و(نعم) هو حرف النفي، فيكون أخًا لـ (لا) في هذه الحالات قال تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين}.
فالسؤال المنفي (ألست) فيه همزة الاستفهام والفعل الناقص ليس الذي يفيد النفي. ومن طريف ما يروى في هذا الباب أن واعظًا كان يشرح هذه الآية الكريمة، وقال فيما قال إن الذرية لوقالت (نعم) لكفرت والعياذ بالله، فسمع مقولته أحد السذج فظن أن كلمة (نعم) هي كفر وخرج من المسجد، وصادف أخًا له، ودار بينهما حوار قال فيه صاحبه نعم، فقال له كفرت وإن لم تصدق فاسأل إمام الجامع فهو الذي قال ذلك.
وقد تعطف جملة منفية بـ (لا) على جملة منفية بها أيضًا بوساطة أحد أحرف العطف كقول الشاعر:
لا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها
وقد يقول قائل هذا عطف جملة غير فعلية على فعليه، فأقول بل هما جملتان فعليتان والتقدير: لا يعرف الشوق إلا المكابدون، ولا يعرف الصبابة إلا المكتوون بنارها فلا مكان للمدعين الذين يهرفون بما لا يعرفون كما يقول ابن الفارض:
فقل لقتيل الحب وفيت حقه
وللمدعي هيهات ما الكحل الكحل
والكحل بفتحتين هو سواد العين والأجفان الطبيعي، والكحل هو السواد المجلوب.
وأحيانًا تأتي لا النافية معطوفة على أختها ما النافية لأنهما يؤديان المعنى نفسه كقوله تعالى: {ما جاءنا من بشير ولا نذير} فـ«لا» هنا تؤكد معنى أختها «ما» وإن قال النحاة عنها إنها الزائدة، فلا زيادة في الأساليب المحتذاة وأسماها لغة القرآن الكريم.
لا تلمني في هواها
أنا لا أهوى سواها
لغة القرآن هذي
رفع الله لواها
هي أم الفخر فاحنوا
عند ذكراها الجباها
ويحضرني في معنى (لا) و(نعم) قول الفرزدق في مدح الإمام زين العابدين، إذ يقول:
ما قال (لا) قط إلا في تشهده
لولا التشهد كانت لاؤه نعم
وفي هذا كناية عن تلبية الإمام لسؤال الناس وعدم رفضه دعواتهم وطلباتهم، فهو لايقول لا إلا في التشهد وكلمة التوحيد والتهليل.
وعند دخول (لا) على الفعل المضارع تجعل زمانه شاملاً الحاضر والمستقبل كقوله تعالى: {ولاتزر وازرة وزر أخرى}
وقوله: {الذين يوفون بعهد الله ولاينقضون الميثاق}.
وقوله: {ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبًا من دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لايخلف الميعاد}.
أما إذا دخلت على الفعل الماضي ولم يكن في الجملة ما يدل على النفي فإنها تفيد الدعاء كقول الشاعر:
ألا يا اسلمي يادار مي على البلا
ولا زال منهلاً بجرعائك القطر
والدعاء بنزول الغيث هو دعاء بالخصب والنماء والخير كما هو معروف، وكقولنا: لا زالت أيامكم أعيادًا، ولا شلت يمينك، ولا فض فوك.
وكقول خالد بن الوليد وهو على فراش الموت: وها أنذا أموت على فراشي كما يموت البعير فلا قرت أعين الجبناء، أي لا فرحوا على المذلة والجبن والرضا بجور الأعداء.
ومن ذاك قول أبي فراس الحمداني مخاطبًا التي وعدته بالوصل وظلت تماطل حتى أحس بدنو أجله، مشبهًا وصلها بالغيث، وهجرانها بالظمأ، ويتساءل ما نفع المطر إذا مات ظامئًا ويدعو ألا ينزل:
فرمي لقوله هذا بالأثرة ووازنوا بينه وبين قول المعري:
فلا هطلت علي ولا بأرضي
سحائب ليس تنتظم البلادا
فقالوا هذا هو الإيثار وتلك هي الأثرة وقد ظلموا بذلك أبا فراس، وويل للشجي من الخلي كما قالوا قديمًا.
ومن ذلك قول ذلك البائس الذي بلا أخاه في النوائب فلم يجده إلا معرضًا فدعا بأن تزيد الشقة بينهما فلا يلتقيان فيقول:
فلا زاد ما بيني وبينك بعدما
بلوتك في الحاجات إلا تنائيًا
ويذكرني هذا الدعاء وهذا التمني بتمني المتنبي مخاطبًا كافور:
أما الأحبة فالبيداء دونهم
فليت بينك بيدًا دونها بيد
ومن ذلك قول ذلك الشاعر الذي يهمه رضا الطيبين من عشيرته ويدعو أن يبقى ويدوم الهجران بينه وبين الأشرار اللئام منها:
إذا رضيت عني كرام عشيرتي
فلا زال غضبانًا علي لئامها
ومثله تمني المتنبي ودعاؤه ألا يكون أولئك الأجواد الذين لا يتعدى جودهم اللسان فيقول:
جود الرجال من الأيدي وجودهم
من اللسان فلا كانوا ولا الجود
وقد تفيد (لا) الدعاء أيضًا وهي داخلة على فعل المضارع إذا كان السياق دالاً على ذلك ومنه قول المتنبي في سيف الدولة:
لا يحزن الله الأمير فإنني
لآ خذ من حالاته بنصيب
وإني وإن كان الدفين حبيبه حبيب إلى قلبي حبيب حبيبي
ومن أساليب الدعاء بـ«لا» أن تدخل على المصادر المنصوبة بفعل محذوف من لفظها كقوله تعالى: {هذا فوج مقتحم معكم لا مرحبًا بهم إنهم صالو النار. قالوا بل أنتم لا مرحبًا بكم أنتم قد قدمتموه لنا فبئس القرار}.
وينسج الشاعر على هذا المنوال فيقول:
لا مرحبًا بغد ولا أهلاً به
إن كان تفريق الأحبة في غد
وتأتي لا مفيدة النفي والرفض والنكران كما ذكرنا بهدوء لتؤدي ما أريد منها وتوصل ما طلب منها وقد تأتي بضجة وغليان وهدير مجلجل، فتغير مجرى الأحداث، وتقلب الموازين، وتشعل نيران الفتن والحروب، وتسجل الأحداث الجسام، وتغير الأمور من حال إلى حال. فلا الإبليسية عندما قال صاحبها لرب العزة لا أسجد لبشر خلقته من طين. فقال الله تعالى: {فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين} فسببت هذه الـ(لا) المتكبرة اللعينة خروج أبوينا من الجنة وإغواء ذريتهما إلى يوم يبعثون.
وعلى العكس منها الـ(لا) النبوية الشريفة التي نطق بها النبي الأمين [ بحضرة عمه أبي طالب سنده وحاميه «لا أدع هذا الأمر أو أهلك دونه» فكانت سببًا في انتشار دين الله في معظم المعمورة بسرعة أذهلت المراقبين وعدالة لم يكن لها نظير في العالمين.
وتأتي لا وحدها كما شهدنا وتأتي مدغمة بأن المصدرية الناصبة كقوله تعالى {وما لنا ألا نتوكل على الله}، وقوله {لئلا يكون للناس عليكم حجة}.
وتأتي بعد كي التعليلية كقوله تعالى {كيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما أتاكم}.
كما تأتي مدغمة بـ«إن» الشرطية كقوله تعالى:
{إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين}.
وقوله: {إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير}.
ومن ذلك قول الشاعر:
فإما أن تكون أخي بصدق
فأعرف منك غثي من سميني
وإلا فاطرحني واتخذني
عدوًا أتقيك وتتقيني
وقول آخر:
وإلا يكن عظمي طويلاً فإنني
له بالفعال الصالحات وصول
وقد تأتي إلا الاستثنائية بعد لا النافية فتزيد الجملة تأكيدًا والنفي والاستثناء أحد أساليب التأكيد المعروفة كقوله تعالى: {والذين من بعدهم لا يعلمهم الا الله} وقوله: {وعنده مفاتح الغيب لايعلمها إلا هو} وهنا ينفي العلم عن غير الله سبحانه ويحصره فيه وحده.
وتدخل (لا) النافية على الجمل الاسمية فتعمل عمل ليس، وهو قليل على أن يكون اسمها وخبرها نكرتين كقولهم: (لا أحدٌ خيرًا من أحد إلا بالعافية) وإذا جاء بعدها معرفة كانت مهملة وجاء بعدها المبتدأ والخبر ووجب تكرارها كقوله تعالى:{لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون}، أو تعمل عمل إن التي هي من الأحرف المشبهة بالفعل التي تنصب المبتدأ وترفع الخبر وتفيد توكيد الجملة المثبتة كقوله تعالى: {إنك ميت وإنهم ميتون}.
وكما تفيد توكيد الإثبات فإن لا العاملة عملها تفيد توكيد النفي كقول المتنبي:
لا خيل عندك تهديها ولا مال
فليسعد النطق إن لم يسعد الحال
وتسمى نافية للجنس لأنها تنفي الخبر عن جنس المبتدأ، بينما لا العاملة عمل ليس تسمى لا النافية للوحدة، أي أنها تنفي الخبر عن واحد من الاسم فنقول:
(لا رجل في الدار بل رجلان) ونقول (لارجلَ في الدار بل امرأة)
وكلمة التوحيد (لا إله إلا الله) فيها أسلوبان من التوكيد، الأول لا النافية للجنس، والثاني «إلا» التي هي أداة استثناء ملغاة أو أداة حصر. ففي الكلمة نفي قاطع للألوهية عن غير الله وإثبات وحصر لها فيه جل جلاله.
ونجد القرآن الكريم يلجأ إلى (لا النافية للجنس) في المواقف الحاسمة والأحكام القاطعة والمواضيع المهمة من ذلك قوله تعالى: {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي}، وقوله: {والله يحكم لا معقب لحكمه}، وقوله: {لا تثريب عليكم اليوم}، وقوله: {ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون}، وقوله: {الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج}.
وقد يحذف خبر لا هذه في بعض الجمل التي يكثر دورانها على الألسنة، وحين يكون الخبر كونًا عامًا لا خاصًا، أي أن يكون تقدير الخبر (موجود أو كائن) وذلك في مثل قولنا: لاشك، لاريب، لامحالة، لاجرم، لاعجب، لاغرو، لابد، قال تعالى: {لاجرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون}.
وقال الشاعر:
ألا كل شئ ما خلا الله باطل
وكل نعيم لا محالة زائل
وقال آخر:
وما المال والأهلون إلا ودائع
ولابد يومًا أن ترد الودائع
كان الحديث كله عن لا النافية الرافضة بأشكالها المتعددة، والآن حان الحديث عن لا الناهية، كانت لا النافية خبرية، أما الناهية فهي طلبية إنشائية وهي جازمة للفعل المضارع بعدها وأكثر ما يكون للمخاطب، فإذا كان هذا المضارع صحيح الآخر كان السكون علامة الجزم كقوله تعالى: {ولاتجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملومًا محسورًا}، وقوله: {قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى}. وقول حافظ إبراهيم:
لا تلم كفي إذا السيف نبا
خاب مني العزم والدهر أبى
أما إذا كان معتل الآخر فيجزم بحذف حرف العلة كقوله تعالى:
{ولاتقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً}، (المحذوف هو الواو). وقوله تعالى: {ولا تمش في الأرض مرحًا}. (المحذوف هو الياء).
وقول الشاعر:
لاتنه عن خلق وتأتي مثله
عار عليك إذا فعلت عظيم
(المحذوف هو الألف)
أما إذا كان الفعل بعدها من الأفعال الخمسة فإنه يجزم بحذف النون، قال تعالى: {ولاتقتلوا أولادكم خشية إملاق}.
وقال أيضًا {فكلوا منها حيث شئتم رغدًا ولاتقربا هذه الشجرة}.
وقال أيضًا {وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولاتخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين}.أما قوله تعالى: {قال هؤلاء ضيفي فلا تفضحون واتقوا الله ولاتخزون}، فأصل تفضحون ـ تفضحوني، وأصل تخزون ـ تخزونني وقد حذفت ياء المتكلم فيهما تخفيفًا ومراعاة للفاصلة.
وتأتي لا الناهية مدغمة بعد أن، كقوله تعالى: {وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلاً}، وقوله: {فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريًا}.
وقد يأتي بعدها الفعل مضارعًا متصلاً بنون التوكيد الخفيفة، وهي نون واحدة ساكنة، والثقيلة وهي نونان، النون الأولى ساكنة مدغمة بالثانية المفتوحة فيبنى الفعل حينئذ على الفتح ويكون في محل جزم كقوله تعالى: {ولا يصدنك عنها من لايؤمن بها واتبع هواه فتردى}، وقوله تعالى: {ولاتحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون} وقوله: {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدًا إلا أن يشاء الله}.
وكقول الشاعر:
لا تمدحن أمرءًا حتى تجربه
ولا تذمنه من غير تجريب
وقد يكون الفعل المضارع بعد لا الناهية غير مسند إلى ضمير المخاطب مباشرة كقوله تعالى: {ثم لا يكن أمركم عليكم غمة}، وقوله: {ولايأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى}، وكقولنا: لايغلبن جهل الناس بك معرفتك بنفسك ولا يغلبن هواك عقلك ولا يأخذن حلمك من كرامتك فيكون حلمك آنئذ كحلم المتنبي:
كل حلم أتى بغير اقتدار
حجة لا جيء إليها اللئام
والنهي هو طلب الكف عن عمل من الأعمال وصيغته هو لا الناهية المتلوة بفعل مضارع مجزوم بها، ويكون حقيقيًا من الناحية البلاغية إذا كان صادرًا من عال إلى من هو أدنى منه قادر على إلزامه بالكف عن العمل وإلا فهو نهي مجازي خارج عن معناه الأصلي إلى معان تفهم من سياق الكلام. من هذه المعاني الدعاء وذلك إذا كان الأمر معكوسًا والنهي صادرًا عن دان إلى عال، كدعائنا الوارد في القرآن {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به}.
وإذا كان النهي متداولاً بين أخوين، أو زميلين كان خارجًا إلى الالتماس كقول المعري:
لا تطويا السر عني يوم نائبة
فإن ذلك ذنب غير مغتفر
وقول الصافي النجفي:
اقذفوني في الفلا من بعد موتي
حبذا عيشي وموتي في الفلاة
لا تزجوني بقبر إنني
أكره السجن ولو بعد مماتي
وقد يخرج النهي إلى معنى النصح والإرشاد كالنواهي المودعة لأمية ابن الوردي التي مطلعها:
أعتزل ذكر الأغاني والغزل
وقل الفصل وجانب من هزل
والتي يقول فيها:
اطلب العلم ولا تكسل فما
أبعد الخير على أهل الكسل!
لا تقل أصلي وفصلي أبدًا
إنما أصل الفتى ما قد حصل
وقد يخرج النهي المجازي إلى التمني إذا كان المخاطب لا يعقل كقولنا للفجر:
(لاتطلع) وقد يخرج إلى إظهار الشوق والحنين كقول ابن زيدون في نونيته:
لا تحسبوا نأيكم عنا يغيرنا
إذ طالما غير النأي المحبينا
أو إلى الاستعطاف كقول كعب بن زهير في البردة في حضرة رسول الله عليه أفضل الصلاة والتسليم:
لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم
أذنب ولو كثرت في الأقاويل
وآخر ما تسعفنا به «لا» هو مالا يدرك كله لا يترك جله ولا يدرك الكمال إلا الله. ربنا لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين والسلام
http://www.almarefah.com/images/mm110.jpg
مظفر بشير - بغداد
]
(لا) حرف جواب يفيد النفي والرفض القاطع والإنكار أحيانًا، مقابل (نعم) حرف الجواب الذي يفيد الإثبات والرضا والقبول، وهما يمثلان موقفين متناقضين من مواقف الإنسان المهمة، إذ يكون فيها المرء مسؤولاً عن كلامه وعن تعهداته.
فإذا قال نعم كان مسؤولاً عن الموافقة والرضا والقبول وما تجر من مواقف وتبعات، فإن أيقن أنه قادر على كل ذلك فليقلها وإلا فليحجم عنها إلى ضدها فيقول (لا)، وفي ذلك يقول الشاعر:
إذا قلت في شيء نعم فأتمه فإن نعم دين على الحر واجب
فإن لم يستطع أداء هذا الدين فليقل (لا) ليستريح ويريح الآخرين من تبعاتها.
فقول (لا) في بعض المواقف تكون هي المفضلة، وفيها السلامة والراحة والتخلص من أعباء المسؤوليات المختلفة. قال بعضهم (لا أدري) ـ وهي من أخوات لا ـ نصف العلم إذا قلت أدري سألوك حتى لا تدري، وإذا قلت لا أدري علموك حتى تدري.
و(لا) تكون ملائمة لبعض الأمزجة الراضية بالقليل القانعة، وللنفوس المطمئنة الهادئة، فهذا جميل بثينة العذري المزاج والهوى يقول:
وإني لأرضى من بثينة بالذي
لو أبصره الواشي لقرت بلابله
بـ لا وبألا أستطيع وبالمنى
وبالأمل المرجو قد خاب آمله
ولكنه يرفض البوح بحبها بقوة وإصرار، فيلجأ إلى تأكيد النفي لفظيًا بتكرار (لا) فيقول:
لا لا أبوح بحب بثنة إنها
أخذت علي مواثقًا وعهودا
ولكن ألست ترى معي أيها القارئ العزيز أن هذا الإصرار على نفي البوح بالحب يخفي وراءه حبًا عذريًا طاغيًا، وأن هذا النفي المؤكد هو أبلغ في التعبير من هذا الحب الطاغي من الإقرار والإشهار؟
وقد قابلته بثينة حبًا بحب، وإخلاصًا بإخلاص وتضحية بتضحية، وثباتًا على الحب بمثله، فهي تقول بعد سماعها نعيه:
وإن سلوي عن جميل لساعة
من الدهر لا حانت ولا حان حينها
سواء علينا ياجميل بن معمر
إذا مت بأساء الحياة ولينها
فهي ترفض النسيان، وتقر دوام الحب ودوام الحزن. فهي بعد وفاته، موقفها ثابت مهما تغيرت ظروف الحياة.
وليس جميل وحده يلجأ إلى تكرار (لا) مؤكدًا النفي والرفض، فهذا المتنبي في أحد مدائحه يتباهى بالمعالي التي وصل إليها ممدوحه، ويطلب من الطامحين إلى أمثالها أن يحذوا حذوه، وإلا فإنهم يظلون بعيدين عنها فيقول:
ذي المعالي فليعلون من تعالى
هكذا هكذا وإلا فلا لا
وقد قلنا إن (نعم) هو حرف جواب يفيد الإيجاب والرضا والقبول، ولكن هذا يكون في السؤال المثبت فقط. أما في السؤال المنفي، وهو الذي يجتمع فيه سؤال ونفي، فتكون (بلى) هي حرف الإيجاب، و(نعم) هو حرف النفي، فيكون أخًا لـ (لا) في هذه الحالات قال تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين}.
فالسؤال المنفي (ألست) فيه همزة الاستفهام والفعل الناقص ليس الذي يفيد النفي. ومن طريف ما يروى في هذا الباب أن واعظًا كان يشرح هذه الآية الكريمة، وقال فيما قال إن الذرية لوقالت (نعم) لكفرت والعياذ بالله، فسمع مقولته أحد السذج فظن أن كلمة (نعم) هي كفر وخرج من المسجد، وصادف أخًا له، ودار بينهما حوار قال فيه صاحبه نعم، فقال له كفرت وإن لم تصدق فاسأل إمام الجامع فهو الذي قال ذلك.
وقد تعطف جملة منفية بـ (لا) على جملة منفية بها أيضًا بوساطة أحد أحرف العطف كقول الشاعر:
لا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها
وقد يقول قائل هذا عطف جملة غير فعلية على فعليه، فأقول بل هما جملتان فعليتان والتقدير: لا يعرف الشوق إلا المكابدون، ولا يعرف الصبابة إلا المكتوون بنارها فلا مكان للمدعين الذين يهرفون بما لا يعرفون كما يقول ابن الفارض:
فقل لقتيل الحب وفيت حقه
وللمدعي هيهات ما الكحل الكحل
والكحل بفتحتين هو سواد العين والأجفان الطبيعي، والكحل هو السواد المجلوب.
وأحيانًا تأتي لا النافية معطوفة على أختها ما النافية لأنهما يؤديان المعنى نفسه كقوله تعالى: {ما جاءنا من بشير ولا نذير} فـ«لا» هنا تؤكد معنى أختها «ما» وإن قال النحاة عنها إنها الزائدة، فلا زيادة في الأساليب المحتذاة وأسماها لغة القرآن الكريم.
لا تلمني في هواها
أنا لا أهوى سواها
لغة القرآن هذي
رفع الله لواها
هي أم الفخر فاحنوا
عند ذكراها الجباها
ويحضرني في معنى (لا) و(نعم) قول الفرزدق في مدح الإمام زين العابدين، إذ يقول:
ما قال (لا) قط إلا في تشهده
لولا التشهد كانت لاؤه نعم
وفي هذا كناية عن تلبية الإمام لسؤال الناس وعدم رفضه دعواتهم وطلباتهم، فهو لايقول لا إلا في التشهد وكلمة التوحيد والتهليل.
وعند دخول (لا) على الفعل المضارع تجعل زمانه شاملاً الحاضر والمستقبل كقوله تعالى: {ولاتزر وازرة وزر أخرى}
وقوله: {الذين يوفون بعهد الله ولاينقضون الميثاق}.
وقوله: {ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبًا من دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لايخلف الميعاد}.
أما إذا دخلت على الفعل الماضي ولم يكن في الجملة ما يدل على النفي فإنها تفيد الدعاء كقول الشاعر:
ألا يا اسلمي يادار مي على البلا
ولا زال منهلاً بجرعائك القطر
والدعاء بنزول الغيث هو دعاء بالخصب والنماء والخير كما هو معروف، وكقولنا: لا زالت أيامكم أعيادًا، ولا شلت يمينك، ولا فض فوك.
وكقول خالد بن الوليد وهو على فراش الموت: وها أنذا أموت على فراشي كما يموت البعير فلا قرت أعين الجبناء، أي لا فرحوا على المذلة والجبن والرضا بجور الأعداء.
ومن ذاك قول أبي فراس الحمداني مخاطبًا التي وعدته بالوصل وظلت تماطل حتى أحس بدنو أجله، مشبهًا وصلها بالغيث، وهجرانها بالظمأ، ويتساءل ما نفع المطر إذا مات ظامئًا ويدعو ألا ينزل:
فرمي لقوله هذا بالأثرة ووازنوا بينه وبين قول المعري:
فلا هطلت علي ولا بأرضي
سحائب ليس تنتظم البلادا
فقالوا هذا هو الإيثار وتلك هي الأثرة وقد ظلموا بذلك أبا فراس، وويل للشجي من الخلي كما قالوا قديمًا.
ومن ذلك قول ذلك البائس الذي بلا أخاه في النوائب فلم يجده إلا معرضًا فدعا بأن تزيد الشقة بينهما فلا يلتقيان فيقول:
فلا زاد ما بيني وبينك بعدما
بلوتك في الحاجات إلا تنائيًا
ويذكرني هذا الدعاء وهذا التمني بتمني المتنبي مخاطبًا كافور:
أما الأحبة فالبيداء دونهم
فليت بينك بيدًا دونها بيد
ومن ذلك قول ذلك الشاعر الذي يهمه رضا الطيبين من عشيرته ويدعو أن يبقى ويدوم الهجران بينه وبين الأشرار اللئام منها:
إذا رضيت عني كرام عشيرتي
فلا زال غضبانًا علي لئامها
ومثله تمني المتنبي ودعاؤه ألا يكون أولئك الأجواد الذين لا يتعدى جودهم اللسان فيقول:
جود الرجال من الأيدي وجودهم
من اللسان فلا كانوا ولا الجود
وقد تفيد (لا) الدعاء أيضًا وهي داخلة على فعل المضارع إذا كان السياق دالاً على ذلك ومنه قول المتنبي في سيف الدولة:
لا يحزن الله الأمير فإنني
لآ خذ من حالاته بنصيب
وإني وإن كان الدفين حبيبه حبيب إلى قلبي حبيب حبيبي
ومن أساليب الدعاء بـ«لا» أن تدخل على المصادر المنصوبة بفعل محذوف من لفظها كقوله تعالى: {هذا فوج مقتحم معكم لا مرحبًا بهم إنهم صالو النار. قالوا بل أنتم لا مرحبًا بكم أنتم قد قدمتموه لنا فبئس القرار}.
وينسج الشاعر على هذا المنوال فيقول:
لا مرحبًا بغد ولا أهلاً به
إن كان تفريق الأحبة في غد
وتأتي لا مفيدة النفي والرفض والنكران كما ذكرنا بهدوء لتؤدي ما أريد منها وتوصل ما طلب منها وقد تأتي بضجة وغليان وهدير مجلجل، فتغير مجرى الأحداث، وتقلب الموازين، وتشعل نيران الفتن والحروب، وتسجل الأحداث الجسام، وتغير الأمور من حال إلى حال. فلا الإبليسية عندما قال صاحبها لرب العزة لا أسجد لبشر خلقته من طين. فقال الله تعالى: {فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين} فسببت هذه الـ(لا) المتكبرة اللعينة خروج أبوينا من الجنة وإغواء ذريتهما إلى يوم يبعثون.
وعلى العكس منها الـ(لا) النبوية الشريفة التي نطق بها النبي الأمين [ بحضرة عمه أبي طالب سنده وحاميه «لا أدع هذا الأمر أو أهلك دونه» فكانت سببًا في انتشار دين الله في معظم المعمورة بسرعة أذهلت المراقبين وعدالة لم يكن لها نظير في العالمين.
وتأتي لا وحدها كما شهدنا وتأتي مدغمة بأن المصدرية الناصبة كقوله تعالى {وما لنا ألا نتوكل على الله}، وقوله {لئلا يكون للناس عليكم حجة}.
وتأتي بعد كي التعليلية كقوله تعالى {كيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما أتاكم}.
كما تأتي مدغمة بـ«إن» الشرطية كقوله تعالى:
{إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين}.
وقوله: {إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير}.
ومن ذلك قول الشاعر:
فإما أن تكون أخي بصدق
فأعرف منك غثي من سميني
وإلا فاطرحني واتخذني
عدوًا أتقيك وتتقيني
وقول آخر:
وإلا يكن عظمي طويلاً فإنني
له بالفعال الصالحات وصول
وقد تأتي إلا الاستثنائية بعد لا النافية فتزيد الجملة تأكيدًا والنفي والاستثناء أحد أساليب التأكيد المعروفة كقوله تعالى: {والذين من بعدهم لا يعلمهم الا الله} وقوله: {وعنده مفاتح الغيب لايعلمها إلا هو} وهنا ينفي العلم عن غير الله سبحانه ويحصره فيه وحده.
وتدخل (لا) النافية على الجمل الاسمية فتعمل عمل ليس، وهو قليل على أن يكون اسمها وخبرها نكرتين كقولهم: (لا أحدٌ خيرًا من أحد إلا بالعافية) وإذا جاء بعدها معرفة كانت مهملة وجاء بعدها المبتدأ والخبر ووجب تكرارها كقوله تعالى:{لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون}، أو تعمل عمل إن التي هي من الأحرف المشبهة بالفعل التي تنصب المبتدأ وترفع الخبر وتفيد توكيد الجملة المثبتة كقوله تعالى: {إنك ميت وإنهم ميتون}.
وكما تفيد توكيد الإثبات فإن لا العاملة عملها تفيد توكيد النفي كقول المتنبي:
لا خيل عندك تهديها ولا مال
فليسعد النطق إن لم يسعد الحال
وتسمى نافية للجنس لأنها تنفي الخبر عن جنس المبتدأ، بينما لا العاملة عمل ليس تسمى لا النافية للوحدة، أي أنها تنفي الخبر عن واحد من الاسم فنقول:
(لا رجل في الدار بل رجلان) ونقول (لارجلَ في الدار بل امرأة)
وكلمة التوحيد (لا إله إلا الله) فيها أسلوبان من التوكيد، الأول لا النافية للجنس، والثاني «إلا» التي هي أداة استثناء ملغاة أو أداة حصر. ففي الكلمة نفي قاطع للألوهية عن غير الله وإثبات وحصر لها فيه جل جلاله.
ونجد القرآن الكريم يلجأ إلى (لا النافية للجنس) في المواقف الحاسمة والأحكام القاطعة والمواضيع المهمة من ذلك قوله تعالى: {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي}، وقوله: {والله يحكم لا معقب لحكمه}، وقوله: {لا تثريب عليكم اليوم}، وقوله: {ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون}، وقوله: {الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج}.
وقد يحذف خبر لا هذه في بعض الجمل التي يكثر دورانها على الألسنة، وحين يكون الخبر كونًا عامًا لا خاصًا، أي أن يكون تقدير الخبر (موجود أو كائن) وذلك في مثل قولنا: لاشك، لاريب، لامحالة، لاجرم، لاعجب، لاغرو، لابد، قال تعالى: {لاجرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون}.
وقال الشاعر:
ألا كل شئ ما خلا الله باطل
وكل نعيم لا محالة زائل
وقال آخر:
وما المال والأهلون إلا ودائع
ولابد يومًا أن ترد الودائع
كان الحديث كله عن لا النافية الرافضة بأشكالها المتعددة، والآن حان الحديث عن لا الناهية، كانت لا النافية خبرية، أما الناهية فهي طلبية إنشائية وهي جازمة للفعل المضارع بعدها وأكثر ما يكون للمخاطب، فإذا كان هذا المضارع صحيح الآخر كان السكون علامة الجزم كقوله تعالى: {ولاتجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملومًا محسورًا}، وقوله: {قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى}. وقول حافظ إبراهيم:
لا تلم كفي إذا السيف نبا
خاب مني العزم والدهر أبى
أما إذا كان معتل الآخر فيجزم بحذف حرف العلة كقوله تعالى:
{ولاتقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً}، (المحذوف هو الواو). وقوله تعالى: {ولا تمش في الأرض مرحًا}. (المحذوف هو الياء).
وقول الشاعر:
لاتنه عن خلق وتأتي مثله
عار عليك إذا فعلت عظيم
(المحذوف هو الألف)
أما إذا كان الفعل بعدها من الأفعال الخمسة فإنه يجزم بحذف النون، قال تعالى: {ولاتقتلوا أولادكم خشية إملاق}.
وقال أيضًا {فكلوا منها حيث شئتم رغدًا ولاتقربا هذه الشجرة}.
وقال أيضًا {وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولاتخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين}.أما قوله تعالى: {قال هؤلاء ضيفي فلا تفضحون واتقوا الله ولاتخزون}، فأصل تفضحون ـ تفضحوني، وأصل تخزون ـ تخزونني وقد حذفت ياء المتكلم فيهما تخفيفًا ومراعاة للفاصلة.
وتأتي لا الناهية مدغمة بعد أن، كقوله تعالى: {وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلاً}، وقوله: {فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريًا}.
وقد يأتي بعدها الفعل مضارعًا متصلاً بنون التوكيد الخفيفة، وهي نون واحدة ساكنة، والثقيلة وهي نونان، النون الأولى ساكنة مدغمة بالثانية المفتوحة فيبنى الفعل حينئذ على الفتح ويكون في محل جزم كقوله تعالى: {ولا يصدنك عنها من لايؤمن بها واتبع هواه فتردى}، وقوله تعالى: {ولاتحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون} وقوله: {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدًا إلا أن يشاء الله}.
وكقول الشاعر:
لا تمدحن أمرءًا حتى تجربه
ولا تذمنه من غير تجريب
وقد يكون الفعل المضارع بعد لا الناهية غير مسند إلى ضمير المخاطب مباشرة كقوله تعالى: {ثم لا يكن أمركم عليكم غمة}، وقوله: {ولايأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى}، وكقولنا: لايغلبن جهل الناس بك معرفتك بنفسك ولا يغلبن هواك عقلك ولا يأخذن حلمك من كرامتك فيكون حلمك آنئذ كحلم المتنبي:
كل حلم أتى بغير اقتدار
حجة لا جيء إليها اللئام
والنهي هو طلب الكف عن عمل من الأعمال وصيغته هو لا الناهية المتلوة بفعل مضارع مجزوم بها، ويكون حقيقيًا من الناحية البلاغية إذا كان صادرًا من عال إلى من هو أدنى منه قادر على إلزامه بالكف عن العمل وإلا فهو نهي مجازي خارج عن معناه الأصلي إلى معان تفهم من سياق الكلام. من هذه المعاني الدعاء وذلك إذا كان الأمر معكوسًا والنهي صادرًا عن دان إلى عال، كدعائنا الوارد في القرآن {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به}.
وإذا كان النهي متداولاً بين أخوين، أو زميلين كان خارجًا إلى الالتماس كقول المعري:
لا تطويا السر عني يوم نائبة
فإن ذلك ذنب غير مغتفر
وقول الصافي النجفي:
اقذفوني في الفلا من بعد موتي
حبذا عيشي وموتي في الفلاة
لا تزجوني بقبر إنني
أكره السجن ولو بعد مماتي
وقد يخرج النهي إلى معنى النصح والإرشاد كالنواهي المودعة لأمية ابن الوردي التي مطلعها:
أعتزل ذكر الأغاني والغزل
وقل الفصل وجانب من هزل
والتي يقول فيها:
اطلب العلم ولا تكسل فما
أبعد الخير على أهل الكسل!
لا تقل أصلي وفصلي أبدًا
إنما أصل الفتى ما قد حصل
وقد يخرج النهي المجازي إلى التمني إذا كان المخاطب لا يعقل كقولنا للفجر:
(لاتطلع) وقد يخرج إلى إظهار الشوق والحنين كقول ابن زيدون في نونيته:
لا تحسبوا نأيكم عنا يغيرنا
إذ طالما غير النأي المحبينا
أو إلى الاستعطاف كقول كعب بن زهير في البردة في حضرة رسول الله عليه أفضل الصلاة والتسليم:
لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم
أذنب ولو كثرت في الأقاويل
وآخر ما تسعفنا به «لا» هو مالا يدرك كله لا يترك جله ولا يدرك الكمال إلا الله. ربنا لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين والسلام