المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : منهج القرآن..منهج الحياة الطيِّبة للشيخ هشام بن فهمي العارف


ابن السلف
24-06-2006, 01:46 PM
--------------------------------------------------------------------------------

منهج القرآن ، منهج الحياة الطيبة

إعداد: هشام بن فهمي العارف

قلنا أن منهج القرآن منهج الحياة لأن الله ـ تعالى ـ علم المؤمنين أن الإجابة لأمره وأمر رسوله محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعني الحـياة ؛ الحياة السعيدة ، الحياة الطيبة . قال ـ تعالى ـ في سورة الأنفال : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) وقال ـ تعالى في سورة النحل : (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) .

القرآن كتاب الله ـ تعالى ـ كتاب نافع للخلق ، هو كلام الله الذي نزل به جبريل ـ عليه السلام ـ على محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ .

ويتلخص نفعه أنه كتاب يتعبد العبد فيه لربه ، يعني أنه يتلقى نصوصاً تعينه على معرفة ربه ، وترشده إلى كيفية عبادة ربه العبادة الحقة التي أمر بها ، فإذا كان العبد على بصيرة من معرفة ربه ، وعلى بصيرة من عبادة ربه ، صار بصيراً في منهاج حياته في الدنيا ، وبالتالي على بصيرة مما سيقع من الفتن التي أخبر بها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ، وعلى بصيرة مما سيقع في أول منزل من منازل الآخرة ، وعلى بصيرة مما سيقع في الآخرة إلى أن يكون في جنة ـ إن شاء الله ـ أو نار ـ والعياذ بالله ـ.

والمقصود في المنهاج الرباني الطريق السوي العدل المستقيم الذي يعيش العبد لله فيه حياة سعيدة ، لأنه بهذا المنهاج تستقيم مفاهيم العلاقة بينه وبين ربه ، وبينه وبين إخوانه من أولياء الله ـ تعالى ـ ، وبينه وبين أعداء ربه من كفرة ومنافقين وأهل ضلال وزيغ .

وبناء على ما تقدم فإن كتاب الله ـ تعالى ـ ينص على ضرورة طاعة نبيه محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد نـزل في هذا المعنى آيات كثيرة ، بل كان القرآن كله دعوة صريحة إلى طاعة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ .

وينص القرآن أيضاً على ضرورة إتباع فهم السلف الصالح "الصحابة" ـ رضوان الله عنهم ـ الذين عاشوا تنزيل القرآن وتعلموا من المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ تطبيقه .

وحين نقول أن القرآن منهاج حياة لعبد الله المسلم ، فلقد بنى الله ـ تعالى ـ هذا المنهاج في شخصية المسلم العابد لربه القائم بدينه على أساسيات أربع :

الأول : بناء منهاج المسلم وصقل شخصيته بالتعبيد . أي يصير العبد المتعلق بكتاب الله سمعاً وطاعة عبداً لله .

الثاني : الله ـ عز وجل ـ أمر عبده المسلم من أجل أن يصير على بصيرة من دينه القيام بواجب الدعوة إلى الله ، لذلك فلا بد من اتخاذ سلوكيات وأخلاقيات هي أيضاً من العبادة ، وتخدم البشرية من أجل الدخول في دين الله الإسلام . وكان الله ـ تعالى ـ يأتي بنتائج ما وقعت به الأمم الماضية من العصيان والشرك والكفر ، تنبيهاً للمسلم أن يكون على منهاج أنبياء الله ورسله .

الثالث : إن الله ـ تعالى ـ تكفل بالدفاع عن عبده المسلم من خلال مخالفته لتوقعاتهم المرصودة ، وحساباتهم المنظومة ، ودراساتهم الصحيحة لنواميس الله في الدنيا ، ليدركوا بأنفسهم أن الله ـ تعالى ـ له أولياء يدافع عنهم لأنهم على طريقه ، وليخرجوا من الغفلة المقيتة التي أودت بهم إلى تجاهل الله ـ عز وجل ـ وبالتالي صاروا إلى الطغيان والاستغناء .

الرابع : إن الله ـ تعالى ـ تكفل بالدفاع عن عبده المسلم من خلال خرقه لنواميس خلقه كرامة لعبده المسلم .

إن هذه الأساسيات تبدأ مفعولها بمجرد البدء بتدبر كتاب الله ـ تعالى ـ والإقبال عليه بإخلاص وصواب ، يعني عندما تكون النوايا خالصة لله ، وتكون الأعمال صواباً على السنة .

ولنا في أول سورة من سور القرآن نزولاً مثالاً على ذلك ، وهي سورة العلق إذ هي الكلمة الافتتاحية للرسالة الربانية :

فقد أمر الله ـ تعالى ـ في مطلعها بالتعلم . فكان من أغراض العلم الشرعي الصحيح ألا يصير الإنسان طاغياً ولا مستغنياً عن ربه .

والله ـ تعالى ـ جعل في السورة مثالاً من البشر طغى واستغنى ألا وهو أبو جهل . فقد أخرج مسلم في صحيحه – كتاب صفات المنافقين وأحكامهم – باب قوله تعالى: إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ، وأحمد ، وابن جرير في التفسير، والنسائي في التفسير ، عن أبي هريرة قال :

قَالَ: أَبُو جَهْلٍ هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ ؟ قَالَ: فَقِيلَ: نَعَمْ ! فَقَالَ: وَاللاتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لأطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ أَوْ لأعَفِّرَنَّ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ، قَالَ: فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَهُوَ يُصَلِّي زَعَمَ لِيَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ، قَالَ: فَمَا فَجِئَهُمْ مِنْهُ إِلاّ وَهُوَ يَنْكُصُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: مَا لَكَ؟ فَقَالَ إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِنْ نَارٍ وَهَوْلاً وَأَجْنِحَةً ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لَوْ دَنَا مِنِّي لاخْتَطَفَتْهُ الْمَلائكة عُضْوًا عُضْوًا ،قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لا نَدْرِي فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ شَيْءٌ بَلَغَهُ (كَلا إِنَّ الإنسانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ) يَعْنِي أَبَا جَهْلٍ (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ كَلا لا تُطِعْهُ) .

ففي هذا المثال في هذه السورة تكفل الله ـ تعالى ـ بالدفاع عن نبيه ، وعن دعوته . وكان المثال أيضاً بمثابة الرسالة إلى جميع من يفكر بتجاوز الحد في طغيانه ، أو الاستغناء عن دعوة ربه .

وهكذا استمر القرآن ينزل على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ واستمرت كفالة الله ـ تعالى ـ لنبيه وصحبه حتى صار الدين قائماً بإذن الله ـ تعالى ـ .

فمن كان ربانياً مجدداً لدين الرب ـ عز وجل ـ فإنه يلمس ذلك ويعرفه ويبصره، فقد جاء في سورة القمر (37/نزول) بيان ما تكفل الله رسله فقال: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ(9) (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ(10) إلى أن صارت نتيجة التكذيب وهو قوله ـ تعالى ـ في السورة : (وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ(15). وهكذا عدد الله نتائج أفعال المكذبين في السورة من أمم شتى لنعلم أن مع من حقق العبودية الخالصة لله رباً عزيزاً قوياً قادراً .

وجاء في السورة قوله : (أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ(44) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ(45) بَلْ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ(46) .

وقال في السورة : (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ(49) وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ(50). فهذه مقادير الله يسيرها بإذنه في خلقه ، وبلمح البصر .

وجاء في سورة الأعراف (39/نزول) قوله ـ تعالى ـ : (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ(4)فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلاَّ أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ(5) فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ(6) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ(7).

وهكذا في سور النزول أجاب الله ـ تعالى ـ دعوة أنبياءه ورسله ، مما يؤكد أن من كان على درب الرب كان منتصراً .

وقال ـ تعالى ـ في سورة مريم (44/نزول) : (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا(7) .

وقال في السورة فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا(24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا(25) . وفي سورة طه التالية في النزول (45) قال ـ تعالى ـ لموسى : (لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى(23) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى(24).

وهكذا دارت أحداث موسى ضد أعداء الله والدين إلى أن تكللت بالنجاح والانتصار ، قال ـ تعالى ـ في سورة الشعراء (47/نزول) : (فَلَمَّا تَرَاءَا الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ(61) قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِي(62) .

وهكذا فأهل الحق باستمرار منصورون على أعداء الله ، ولهم الغلبة بإذن الله ، لأنهم على منهج الرب ، على منهج النبوة .

ولما قلنا أن كتاب الله القرآن كتاب نافع للخلق أجمعين ، وهو كلامه ـ سبحانه وتعالى ـ قلنا هذا لأنه كتاب نفعه لم يقف عند المجمل من القول بل تعدى إلى التفصيل للتوضيح والبيان قال ـ تعالى في سورة الأنعام (55/نزول) : (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ(55) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُهْتَدِينَ(56) قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ(57).

والغلبة والانتصار لمن انتفع بكتاب الله ، قال ـ تعالى ـ في سورة المجادلة (105/نزول) : (كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ(21) فعبد الله المسلم الذي تحققت لديه العبودية فنظر في كتاب ربه وتدبر ، عاش مع المنهج الرباني لحظة بلحظة ونعم بما فيه من جوانب الخير والعطاء ، لأنه علم أنه طريق الرب وافتدى بالرسل والأنبياء الذين أنعم الله عليهم .

إن يوشع بن نون ـ عليه السلام ـ فتى موسى ـ صلى الله عليه وسلم ـ صاحب المنهاج الرباني الذي نزل عليه كتاب الله التوراة حين استعد لدخول الأرض المقدسة نظر إلى الشمس وخاطبها بقوله : "إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا شيئاً، فحبست حتى فتح الله عليه" ، خاطبها بهذا الخطاب لكي لا يدركه الوقت في حسم المعركة مع أعداء الله ، وهو يعلم أن الدخول في وقت السبت يعني التوقف عن الاستمرار في الفتح من أجل الوصول إلى بيت المقدس .

والتوقف في هذا الوقت عبادة لأنه امتثال لأمر الرب ، فأيهما يختار ؟ التوقف أو الاستمرار ، والاستمرار أولى ؟

الجواب : الاستمرار ، وهو يعلم أن مخلوقات الله مسخرة في سبيل الله ، منها ما يقدر عليها الإنسان ، ومنها ما لا يقدر عليها ، ولما كانت الشمس من مخلوقات الله ينتفع منها الإنسان من جوانب يقدر عليها ، ولا يقدر عليها من جوانب أخرى ، نظر يوشع ـ عليه السلام ـ إليها قائلاً : "إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا شيئاً، فحبست حتى فتح الله عليه". قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : "إن الشمس لم تحبس إلا ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس". أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما .

فهذا خرق من الله لناموس الدنيا المخلوقة كرامة لعبده ونبيه يوشع بن نون ومن معه من العابدين المجاهدين في سبيل الله .

وخرق آخر يصير في آخر الزمان كرامة للطائفة المنصورة حين ينادي الحجر والشجر يا مسلم يا عبد الله ، فقصد بالمناداة مناداة الحجر والشجر للمسلم الذي حقق العبودية الخالصة لله علماً وعملاً ، قلباً وقالباً ، عقيدة وسلوكاً .

قال تعالى في سورة البينة : (100/نزول) : (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ(5).