الهزبر
11-01-2006, 12:26 AM
هذا تفريغ لشريط الشيخ/ابي اسحاق الحويني سلمه الله
حاجة الدعاة إلى طلب العلم الشرعي
الأنبياء عليهم السلام لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم، فهو أفضل ما يتنافس فيه المتنافسون. ولقد ضرب علماؤنا الأولون أروع الأمثلة في طلبهم للعلم، وعلو همتهم، وذكائهم، وحرصهم على أوقاتهم، وتواضعهم عند الطلب، ورحلتهم إليه، وغربتهم للحصول عليه، وثنيهم الركب عند المشايخ، بل وفناء أعمارهم في سبيل تعلم العلم وتعليمه؛ فلذلك يجدر بناء الاقتداء بهم وشحذ الهمم في سبيل هذا العلم.
صفات يجب أن يتحلى بها طالب العلم
إن طلب العلم لا يتأتى إلا إذا توفر في طالب العلم صفات جمعها الإمام الشافعي بقوله: أخي لن تنال العلم إلا بستة سأنبيك عن تفصيلها ببيان ذكاءٌ وحرصٌ وافتقارٌ وغربةٌ وتلقين أستاذ وطول زمان فهذه الستة الشروط إذا وضعها طالب العلم نصب عينيه وصل إلى مراده، ويكون الخلل في طلبه بقدر الخلل في تركه لصفة من هذه الصفات. وكل إنسان يريد أن يطلب العلم، وكثير منهم لا يصل إلى ذلك؛ لأنه لا يعرف الطرق التي تؤدي إليه، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه في قصة الذين أنكر عليهم التسبيح بالحصى، لما قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما نريد إلا الخير. قال: (وكم من مريدٍ للخير لا يبلغه). لأنه لم يسلك السبيل التي أمر الله بها.
طول الزمان في أخذ العلم
(وتلقين أستاذٍ وطول زمان) فطول الزمان مهم، والإنسان يتعجب من بعض الذين لهم في العلم شهرين أو ثلاثة، ثم يقول لك: أنا علمت هذا بالاستقراء.. كم طلبت العلم؟! سنتين .. ثلاث .. عشر .. عشرين؟! أي استقراء عند المتأخرين الذين لو سرق السارق فهارس كتبهم لتوقفوا؟ الاستقراء يحتاج إلى طول الوقت في طلب العلم. لذلك أريد أن أنبه الآن على قضية انتشرت انتشار النار في الهشيم، ولها علاقة بطول الزمان: هناك جماعة خرجوا وقالوا: لا يُحتج بالحديث الحسن لغيره، وعلماؤنا المتقدمون ما كانوا يحتجون به. أقول: هذه القضية النقاش فيها قديم ومعروف، ولكن أخطر شيء على هذه القضية هو دخول الصغار فيها، ونحن نعرف أن الحديث الحسن لغيره فيه كلام عند العلماء في مسألة الاحتجاج به وترك الاحتجاج به، ولكن أن يأتي صغير ليس له فهم المحدثين، ولم يمارس هذا العلم، وليس له من الذكاء كمان كان للمتقدمين، ويقول: لا يحتج بالحديث الحسن لغيره؟ لو قرأت كتب المصطلح كلها، وحفظتها عن ظهر قلب؛ لا تصير محدثاً؛ لأن علم الحديث علم صعب، كما قال الذهبي : علم صرف، لا يسلم قياده لأحد، يحتاج إلى عمر طويل، ولابد من الذوق والملكة، وهذه لا تكون إلا بطول العمر، وانظر إلى العلماء في آخر أيامهم، وانظر إليهم في أوائل أيامهم ترى أن هناك فرقاً حتى في تنزيل الفتوى على مقتضى حال المخاطب، وما استفاد هذا إلا بطول العمر والزمان. فهذه بعض الإشارات للصفات التي ينبغي لطالب العلم أن يتحلى بها. أخي لن تنالَ العلمَ إِلا بستةٍ سأنبيكَ عن تفصيلِها ببيانِ ذكاءٌ وحرصٌ وافتقارٌ وغربةٌ وتلقينُ أستاذٍ وطولُ زمانِ نسأل الله تبارك وتعالى أن ينفعنا وإياكم بما علمنا، وأن يعلمنا ما جهلنا، وأن يجعل ما سمعناه وما قلناه زاداً إلى حسن المصير إليه، وعتاداً إلى يوم القدوم عليه، إنه بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
أعلى الصفحة
الأخذ عن المشايخ وعدم الاقتصار على الكتب
(وتلقين أستاذ) مسألة الطلب، والأخذ عن المشايخ مهمة جداً؛ لأن الاقتصار على الأخذ من الكتب ضرره أكثر من نفعه، والأخذ من المشايخ يعطيك ثلاث فوائد: الفائدة الأولى: أنه يقصر لك العمر. الفائدة الثانية: أنه يسدد لك الفهم. الفائدة الثالثة: أنه يعطيك الأدب. (يقصر لك العمر) الكتاب يمكنك أن تقرأه في شهر، والشيخ قد يلخصه لك في درس واحد أو في درسين، فالإمام القرافي في بداية كتابه (الفروق) أول فرق بدأ به: الفرق بين الشاهد والراوي، قال: وإنما ابتدأت بهذا الفرق لأنني ظللت ثمان سنوات أسأل عنه كل من ألقاه من أهل العلم، فما شفاني أحد. كان له عشرات المشايخ، حتى وقف على كتاب (البرهان للجويني ) فوجد فيه العبارة التي يريدها. فتقصير العمر بأن الشيخ يلخص لك الكتب. (تسديد الفهم): كانوا قديماً يكتبون، وكان الناسخ من العلماء، أما الآن فنسأل الله تبارك وتعالى السلامة، فتجار الحشيش أصبحوا أصحاب المطابع، وبسبب ذلك يخرج الكتاب وهو مليء بالتصحيفات، وقل أن تجد صفحة إلا وفيها عشرات التصحيفات، والتصحيف أكبر جناية على العلوم، كانوا يقولون: (لا تأخذ العلم من صحفي، ولا القرآن من مصحفي). وقد ذكر ابن الجوزي رحمه الله قصةً عجيبة: ذكر أن رجلاً كان يحفظ القرآن وحده، ولم يتلقاه عن شيخ، وأنتم تعلمون أن الخط قديماً كان ليس فيه إعجام، أي: النقط لم تكن موجودة. فهذا الرجل ليس له مشايخ في القرآن فكان يحفظ لوحده، ومن ضمن ما حفظ سورة الفاتحة، وحفظ منها آية خطأ، وهو إمام ويقرأ بالناس، فزارهم ذات يومٍ عالمٍ، فاستضافه الإمام وقال له: عندي بعض الأسئلة في القرآن، قال: في أي سورة؟و ظن أنه سيقول له: في البقرة، فقال: في الفاتحة (إياك نعبد وإياك تسعين أو ستين..؟) و(نستعين) إذا كانت غير منقوطة فيمكن أن تكون (تسعين) أو (ستين) ثم رد على نفسه بسرعة قبل أن يرد الرجل عليه وقال: على كل حال أنا أقرؤها (تسعين) أخذاً بالاحتياط! ومثال آخر: وهذا الموقف حدث في السنوات الماضية، رجل كان يقرأ: ((إلهكم التكاثر )) قال له الشيخ: يا ابني (( ألهاكم )) قال: بل ((إلهكم)) وهي مكتوبة في المصحف (( ألهكم ))، قال له: (( ألهاكم )) قال له: أنحن في البخاري؟ هذا قرآن!! هذا رجل يقرأ من المصحف. وقد سمعت رفيقاً لي في الجامعة يقرأ : (وقيل يا نوح اهبط بسلم) هي (بسلام)، والذي غره أنها (بسلم) لأنه لا يعلم أن الألف الصغيرة هذه تقرأ..! وهذا إنسان في الجامعة، غداً سيتخرج أستاذ ولا يعرف كيف يقرأ القرآن الكريم!! إذا كان هذا وقع في القرآن الكريم وقد نقل بالتواتر بنقل الكافة عن الكافة ولا خفاء فيه، فما بالك بكتب الحديث، فلو درس الحديث لكانت جناية على العلم وأهله، وكيف إذا أخذ طالب العلم العلم من الكتب التي دخلها تصحيف كثير؟! مرة بعض المحدثين كانوا ينسخون وكانوا في منتهى الدقة في النسخ، وكان لـابن عباس صاحبان: أحدهم: كنيته أبو جمرة ، والآخر: كنيته أبو حمزة . فلو أخذنا النقطة من (الزاي) والنقطة من (الجيم) فلن تستطيع أن تفرق بينهما، فكانوا إذا رووا حديثاً عن أبي حمزة يكتبون فوقه (حور عين) لكي يبين لك: أن هذه (ح) وليست (ج)، وكل هذا حتى لا يقع التصحيف. وذات مرة أحد الولاة أرسل للأمير، وقال له: إن المخنثين كثروا في البلد.. فما الحل؟ فقال الأمير لكاتبه: اكتب له: (احص من عندك من المخنثين). فكتب الكاتب: (اخص من عندك من المخنثين)؛ فدعاهم فخصاهم، وانظر ماذا فعلت هذه النقطة!! وتعلمون أن من القراء السبعة أصحاب القراءات المتواترة حمزة الزيات - حمزة بن حبيب - ولقب (الزيات) التصق به بسبب حكاية تقال عنه أنه قرأ القرآن وحده، فكان يقرأ ((ألم )) (( ذلك الكتاب لا زيت فيه ))! فقال له أبوه: قم واطلب العلم على الشيوخ. فبدأ بطلب العلم من ذلك الوقت؛ فلقبوه (بـالزيات). ووقع هذا قديما مع حرص علماء الحديث على ضبط الكتب، ومع ذلك كان يقع التصحيف، فما بالك الآن؟! تجد مطبعة كبيرة وليس عندها مصحح، وصاحبها على استعداد أن ينفق الملايين في نص الكتاب وتجده يبخل أن يعطي راتباً عالياً لمصحح؛ فلذلك المصححون هربوا من المطابع، فكم من الجناية ستدخل على طالب العلم لو اقتصر على قراءة العلم من الصحف! منذ -حوالي- خمس عشرة سنة كان هناك مسألة من المسائل التي لا يكون المرء سلفياً إلا إذا خاض فيها، وهي: مسألة النزول للسجود هل يكون على الركبتين أو على اليدين، وتذهب إلى أي مكان وتجد كل الشباب يستفتون فيها، فجمعني المجلس مرة برجل، يقول: إن النزول على الركبتين هو الصحيح، وقال لي: إن الحاكم روى في المستدرك عن ابن عمر حديثاً، وقال: إنه يميل إلى قول ابن عمر . قلت: أنا أعرف أن الحاكم يرى تقديم اليدين على الركبتين، وينقل هذا عن كثير من الصحابة والتابعين. قال: لا. قلت له: حسناً.. هات المستدرك. فأتى بالمستدرك فأخذنا نقرأ وبعد أن أتى بحديث ابن عمر أنه كان ينزل بيديه قبل ركبتيه، قال الحاكم : والقلب إليه أميل. فقال: انظر، هو يقول: الحديث مقلوب. وانظر إلى فهمه للكلام! فـالحاكم يقول: أنا قلبي يميل إلى تقديم اليدين على الركبتين. لكنه فهمها؛ لأنه متعصب لرأي معين ويريد أن ينتصر له، والصواب: أن يبدأ بركبتيه قبل يديه. إذاً: الأخذ عن الشيوخ يسدد لك الفهم، ويقصر لك العمر، ويرزقك الأدب. وأفضل ما ينتفع به طالب العلم: هو الأدب، أما الذي يقرأ من الصحف فهو من أجرأ الناس على العلماء، وما تجرأ هؤلاء الذين يتكلمون على العلماء ويشتمونهم ولا يعرفون قدرهم؛ لأنهم لم يجالسوا العلماء. وقد كان العلماء قديماً لهم خطة في تأديب التلاميذ، وكانوا يقسون عليهم قسوة لا يكاد يتحملها أحد، وأخص بالذكر من هؤلاء؛ لأنه يكفينا مؤنة ضبط المثال الإمام الأعمش، أبو محمد سليمان بن مهران الأعمش . فقد روى الخطيب البغدادي في كتاب (شرف أصحاب الحديث) أن أصحاب الحديث كانوا يهجمون على الأعمش؛ لأنه إمام ثقة، والرواية عنه شرف، فأراد أن يؤدبهم وأن يطردهم من البيت؛ فاشترى له كلباً، أول ما يسمع صوت الأقدام اقتربت من البيت يطلق عليهم الكلب، وكان ممن يذهب إليه شعبة بن الحجاج وسفيان الثوري فيجرون أمام الكلب! والكلب يظل يجري وراءهم حتى يخرجهم إلى مسافة بعيدة ويرجع. وهكذا، حتى كان ذات يوم اقتربوا من البيت وهم على حذر أن يخرج الكلب، فاقتربوا ولم يخرج الكلب، فهجموا عليه ودخلوا الدار، فلما رآهم بكى. قالوا: ما يبكيك يا أبا محمد ؟ قال: قد مات الذي كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.. أي: مات الكلب. وجاءه رجلٌ غريب وقال: يا أبا محمد اكتريت هذه الدابة بدينار، ودفعت للرجل نصف دينار، وأريد أن تحدثني حديثاً. قال له: اكترِ بالنصف الآخر وارجع. وأبى أن يحدثه. وذات مرة كان يمشي في جنازة، وكانت الجنازة لا ترفع فيها الأصوات، وكان الأعمش كفيفاً، فأخذ أحد التلاميذ بيده وقال: آخذ بيدك يا أبا محمد، فأخذه وظل ينحرف به ولم يحس الأعمش بالأمر، وظل ينحرف به إلى أن بعد عن الجنازة، والأعمش ساكت مستأمن للرجل، فقال له الرجل: أتدري أين أنت يا أبا محمد؟ قال له: لا. قال: أنت في جبانة كذا، ووالله لا أردك إلى البلد حتى تملأ ألواحي حديثاً، فلما علم الأعمش أنه لا فائدة قال: اكتب.. حدثني فلان، حدثني فلان... حتى ملأ الألواح، فلما رجع به وكان الأعمش متغيظاً منه، والطالب يعلم ماذا سيفعل به الأعمش إذا دخل البلد، قابله رفيق له فأعطاه الألواح، ومضى حتى أوصله إلى الدار، وقال: وصلت إلى الدار يا أبا محمد . فأمسك بعنقه وقال: خذوا الألواح منه. قال: قد مضت الألواح يا أبا محمد . قال: كل ما حدثتك فهو كذب -حتى لا ينتفع به- فانظر إلى التلميذ المؤدب ماذا أجاب: أنت أعلم بالله من أن تكذب! وقد ورث هذه الخصلة في الشدة أبو بكر بن عياش . فذات مرة قال له أصحابه: حدثنا بحديث. قال: ولا بحديث. قالوا: حدثنا بنصف حديث. فقال لهم: اختاروا السند أو المتن. فقالوا له: أنت عندنا إسناد. قال لهم: كان إبراهيم يدحرج الدلو. قال الخطيب البغدادي : فانظر إليه.. ظن عليهم أن يحدثهم بما ينفعهم. وماذا يعني أن إبراهيم كان يدحرج الدلو؟ ماذا يستفيدون منه؟ أبى عليهم. فهل كان هؤلاء العلماء يمنعون العلم عن أهله؟ لا. فـالأعمش أحاديثه تملأ دواوين الإسلام. بل هذه الطريقة كانت تكسر الشموخ الذي عند طلاب العلم، وبعض طلبة العلم يأتي حلقة الشيخ وقد استحضر نسبه وجاهه وماله، وهذا لا يصلح أن يطلب العلم، ولابد أن يكون عليه سمت طلبة العلم وإلا فإنه لن يفلح. والإمام الشافعي رحمه الله باتفاق العلماء كان أعلم وأعلى كعباً من محمد بن الحسن الشيباني ، ويكفي أن الشافعي رحمه الله مجتهد مطلق، ومحمد بن الحسن رحمه الله مجتهد منتسب إلى المذهب، فلما أراد الشافعي أن يحصل علم أهل العراق ذهب يتتلمذ على محمد بن الحسن ، ولم يذهب الشافعي إليه وقد وضع في ذهنه أنه الشافعي وأنه أعلم من محمد بن الحسن ، وإنما ذهب إليه في سمت التلميذ. فكان يجلس في الحلقة يسمع فتاوى محمد بن الحسن ولا تعجبه، ويرى أن الدليل على خلافها، ولكن يمنعه أدبه أن يواجه الأستاذ بما يكره أمام التلاميذ، فكان محمد بن الحسن
يتبع
حاجة الدعاة إلى طلب العلم الشرعي
الأنبياء عليهم السلام لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم، فهو أفضل ما يتنافس فيه المتنافسون. ولقد ضرب علماؤنا الأولون أروع الأمثلة في طلبهم للعلم، وعلو همتهم، وذكائهم، وحرصهم على أوقاتهم، وتواضعهم عند الطلب، ورحلتهم إليه، وغربتهم للحصول عليه، وثنيهم الركب عند المشايخ، بل وفناء أعمارهم في سبيل تعلم العلم وتعليمه؛ فلذلك يجدر بناء الاقتداء بهم وشحذ الهمم في سبيل هذا العلم.
صفات يجب أن يتحلى بها طالب العلم
إن طلب العلم لا يتأتى إلا إذا توفر في طالب العلم صفات جمعها الإمام الشافعي بقوله: أخي لن تنال العلم إلا بستة سأنبيك عن تفصيلها ببيان ذكاءٌ وحرصٌ وافتقارٌ وغربةٌ وتلقين أستاذ وطول زمان فهذه الستة الشروط إذا وضعها طالب العلم نصب عينيه وصل إلى مراده، ويكون الخلل في طلبه بقدر الخلل في تركه لصفة من هذه الصفات. وكل إنسان يريد أن يطلب العلم، وكثير منهم لا يصل إلى ذلك؛ لأنه لا يعرف الطرق التي تؤدي إليه، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه في قصة الذين أنكر عليهم التسبيح بالحصى، لما قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما نريد إلا الخير. قال: (وكم من مريدٍ للخير لا يبلغه). لأنه لم يسلك السبيل التي أمر الله بها.
طول الزمان في أخذ العلم
(وتلقين أستاذٍ وطول زمان) فطول الزمان مهم، والإنسان يتعجب من بعض الذين لهم في العلم شهرين أو ثلاثة، ثم يقول لك: أنا علمت هذا بالاستقراء.. كم طلبت العلم؟! سنتين .. ثلاث .. عشر .. عشرين؟! أي استقراء عند المتأخرين الذين لو سرق السارق فهارس كتبهم لتوقفوا؟ الاستقراء يحتاج إلى طول الوقت في طلب العلم. لذلك أريد أن أنبه الآن على قضية انتشرت انتشار النار في الهشيم، ولها علاقة بطول الزمان: هناك جماعة خرجوا وقالوا: لا يُحتج بالحديث الحسن لغيره، وعلماؤنا المتقدمون ما كانوا يحتجون به. أقول: هذه القضية النقاش فيها قديم ومعروف، ولكن أخطر شيء على هذه القضية هو دخول الصغار فيها، ونحن نعرف أن الحديث الحسن لغيره فيه كلام عند العلماء في مسألة الاحتجاج به وترك الاحتجاج به، ولكن أن يأتي صغير ليس له فهم المحدثين، ولم يمارس هذا العلم، وليس له من الذكاء كمان كان للمتقدمين، ويقول: لا يحتج بالحديث الحسن لغيره؟ لو قرأت كتب المصطلح كلها، وحفظتها عن ظهر قلب؛ لا تصير محدثاً؛ لأن علم الحديث علم صعب، كما قال الذهبي : علم صرف، لا يسلم قياده لأحد، يحتاج إلى عمر طويل، ولابد من الذوق والملكة، وهذه لا تكون إلا بطول العمر، وانظر إلى العلماء في آخر أيامهم، وانظر إليهم في أوائل أيامهم ترى أن هناك فرقاً حتى في تنزيل الفتوى على مقتضى حال المخاطب، وما استفاد هذا إلا بطول العمر والزمان. فهذه بعض الإشارات للصفات التي ينبغي لطالب العلم أن يتحلى بها. أخي لن تنالَ العلمَ إِلا بستةٍ سأنبيكَ عن تفصيلِها ببيانِ ذكاءٌ وحرصٌ وافتقارٌ وغربةٌ وتلقينُ أستاذٍ وطولُ زمانِ نسأل الله تبارك وتعالى أن ينفعنا وإياكم بما علمنا، وأن يعلمنا ما جهلنا، وأن يجعل ما سمعناه وما قلناه زاداً إلى حسن المصير إليه، وعتاداً إلى يوم القدوم عليه، إنه بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
أعلى الصفحة
الأخذ عن المشايخ وعدم الاقتصار على الكتب
(وتلقين أستاذ) مسألة الطلب، والأخذ عن المشايخ مهمة جداً؛ لأن الاقتصار على الأخذ من الكتب ضرره أكثر من نفعه، والأخذ من المشايخ يعطيك ثلاث فوائد: الفائدة الأولى: أنه يقصر لك العمر. الفائدة الثانية: أنه يسدد لك الفهم. الفائدة الثالثة: أنه يعطيك الأدب. (يقصر لك العمر) الكتاب يمكنك أن تقرأه في شهر، والشيخ قد يلخصه لك في درس واحد أو في درسين، فالإمام القرافي في بداية كتابه (الفروق) أول فرق بدأ به: الفرق بين الشاهد والراوي، قال: وإنما ابتدأت بهذا الفرق لأنني ظللت ثمان سنوات أسأل عنه كل من ألقاه من أهل العلم، فما شفاني أحد. كان له عشرات المشايخ، حتى وقف على كتاب (البرهان للجويني ) فوجد فيه العبارة التي يريدها. فتقصير العمر بأن الشيخ يلخص لك الكتب. (تسديد الفهم): كانوا قديماً يكتبون، وكان الناسخ من العلماء، أما الآن فنسأل الله تبارك وتعالى السلامة، فتجار الحشيش أصبحوا أصحاب المطابع، وبسبب ذلك يخرج الكتاب وهو مليء بالتصحيفات، وقل أن تجد صفحة إلا وفيها عشرات التصحيفات، والتصحيف أكبر جناية على العلوم، كانوا يقولون: (لا تأخذ العلم من صحفي، ولا القرآن من مصحفي). وقد ذكر ابن الجوزي رحمه الله قصةً عجيبة: ذكر أن رجلاً كان يحفظ القرآن وحده، ولم يتلقاه عن شيخ، وأنتم تعلمون أن الخط قديماً كان ليس فيه إعجام، أي: النقط لم تكن موجودة. فهذا الرجل ليس له مشايخ في القرآن فكان يحفظ لوحده، ومن ضمن ما حفظ سورة الفاتحة، وحفظ منها آية خطأ، وهو إمام ويقرأ بالناس، فزارهم ذات يومٍ عالمٍ، فاستضافه الإمام وقال له: عندي بعض الأسئلة في القرآن، قال: في أي سورة؟و ظن أنه سيقول له: في البقرة، فقال: في الفاتحة (إياك نعبد وإياك تسعين أو ستين..؟) و(نستعين) إذا كانت غير منقوطة فيمكن أن تكون (تسعين) أو (ستين) ثم رد على نفسه بسرعة قبل أن يرد الرجل عليه وقال: على كل حال أنا أقرؤها (تسعين) أخذاً بالاحتياط! ومثال آخر: وهذا الموقف حدث في السنوات الماضية، رجل كان يقرأ: ((إلهكم التكاثر )) قال له الشيخ: يا ابني (( ألهاكم )) قال: بل ((إلهكم)) وهي مكتوبة في المصحف (( ألهكم ))، قال له: (( ألهاكم )) قال له: أنحن في البخاري؟ هذا قرآن!! هذا رجل يقرأ من المصحف. وقد سمعت رفيقاً لي في الجامعة يقرأ : (وقيل يا نوح اهبط بسلم) هي (بسلام)، والذي غره أنها (بسلم) لأنه لا يعلم أن الألف الصغيرة هذه تقرأ..! وهذا إنسان في الجامعة، غداً سيتخرج أستاذ ولا يعرف كيف يقرأ القرآن الكريم!! إذا كان هذا وقع في القرآن الكريم وقد نقل بالتواتر بنقل الكافة عن الكافة ولا خفاء فيه، فما بالك بكتب الحديث، فلو درس الحديث لكانت جناية على العلم وأهله، وكيف إذا أخذ طالب العلم العلم من الكتب التي دخلها تصحيف كثير؟! مرة بعض المحدثين كانوا ينسخون وكانوا في منتهى الدقة في النسخ، وكان لـابن عباس صاحبان: أحدهم: كنيته أبو جمرة ، والآخر: كنيته أبو حمزة . فلو أخذنا النقطة من (الزاي) والنقطة من (الجيم) فلن تستطيع أن تفرق بينهما، فكانوا إذا رووا حديثاً عن أبي حمزة يكتبون فوقه (حور عين) لكي يبين لك: أن هذه (ح) وليست (ج)، وكل هذا حتى لا يقع التصحيف. وذات مرة أحد الولاة أرسل للأمير، وقال له: إن المخنثين كثروا في البلد.. فما الحل؟ فقال الأمير لكاتبه: اكتب له: (احص من عندك من المخنثين). فكتب الكاتب: (اخص من عندك من المخنثين)؛ فدعاهم فخصاهم، وانظر ماذا فعلت هذه النقطة!! وتعلمون أن من القراء السبعة أصحاب القراءات المتواترة حمزة الزيات - حمزة بن حبيب - ولقب (الزيات) التصق به بسبب حكاية تقال عنه أنه قرأ القرآن وحده، فكان يقرأ ((ألم )) (( ذلك الكتاب لا زيت فيه ))! فقال له أبوه: قم واطلب العلم على الشيوخ. فبدأ بطلب العلم من ذلك الوقت؛ فلقبوه (بـالزيات). ووقع هذا قديما مع حرص علماء الحديث على ضبط الكتب، ومع ذلك كان يقع التصحيف، فما بالك الآن؟! تجد مطبعة كبيرة وليس عندها مصحح، وصاحبها على استعداد أن ينفق الملايين في نص الكتاب وتجده يبخل أن يعطي راتباً عالياً لمصحح؛ فلذلك المصححون هربوا من المطابع، فكم من الجناية ستدخل على طالب العلم لو اقتصر على قراءة العلم من الصحف! منذ -حوالي- خمس عشرة سنة كان هناك مسألة من المسائل التي لا يكون المرء سلفياً إلا إذا خاض فيها، وهي: مسألة النزول للسجود هل يكون على الركبتين أو على اليدين، وتذهب إلى أي مكان وتجد كل الشباب يستفتون فيها، فجمعني المجلس مرة برجل، يقول: إن النزول على الركبتين هو الصحيح، وقال لي: إن الحاكم روى في المستدرك عن ابن عمر حديثاً، وقال: إنه يميل إلى قول ابن عمر . قلت: أنا أعرف أن الحاكم يرى تقديم اليدين على الركبتين، وينقل هذا عن كثير من الصحابة والتابعين. قال: لا. قلت له: حسناً.. هات المستدرك. فأتى بالمستدرك فأخذنا نقرأ وبعد أن أتى بحديث ابن عمر أنه كان ينزل بيديه قبل ركبتيه، قال الحاكم : والقلب إليه أميل. فقال: انظر، هو يقول: الحديث مقلوب. وانظر إلى فهمه للكلام! فـالحاكم يقول: أنا قلبي يميل إلى تقديم اليدين على الركبتين. لكنه فهمها؛ لأنه متعصب لرأي معين ويريد أن ينتصر له، والصواب: أن يبدأ بركبتيه قبل يديه. إذاً: الأخذ عن الشيوخ يسدد لك الفهم، ويقصر لك العمر، ويرزقك الأدب. وأفضل ما ينتفع به طالب العلم: هو الأدب، أما الذي يقرأ من الصحف فهو من أجرأ الناس على العلماء، وما تجرأ هؤلاء الذين يتكلمون على العلماء ويشتمونهم ولا يعرفون قدرهم؛ لأنهم لم يجالسوا العلماء. وقد كان العلماء قديماً لهم خطة في تأديب التلاميذ، وكانوا يقسون عليهم قسوة لا يكاد يتحملها أحد، وأخص بالذكر من هؤلاء؛ لأنه يكفينا مؤنة ضبط المثال الإمام الأعمش، أبو محمد سليمان بن مهران الأعمش . فقد روى الخطيب البغدادي في كتاب (شرف أصحاب الحديث) أن أصحاب الحديث كانوا يهجمون على الأعمش؛ لأنه إمام ثقة، والرواية عنه شرف، فأراد أن يؤدبهم وأن يطردهم من البيت؛ فاشترى له كلباً، أول ما يسمع صوت الأقدام اقتربت من البيت يطلق عليهم الكلب، وكان ممن يذهب إليه شعبة بن الحجاج وسفيان الثوري فيجرون أمام الكلب! والكلب يظل يجري وراءهم حتى يخرجهم إلى مسافة بعيدة ويرجع. وهكذا، حتى كان ذات يوم اقتربوا من البيت وهم على حذر أن يخرج الكلب، فاقتربوا ولم يخرج الكلب، فهجموا عليه ودخلوا الدار، فلما رآهم بكى. قالوا: ما يبكيك يا أبا محمد ؟ قال: قد مات الذي كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.. أي: مات الكلب. وجاءه رجلٌ غريب وقال: يا أبا محمد اكتريت هذه الدابة بدينار، ودفعت للرجل نصف دينار، وأريد أن تحدثني حديثاً. قال له: اكترِ بالنصف الآخر وارجع. وأبى أن يحدثه. وذات مرة كان يمشي في جنازة، وكانت الجنازة لا ترفع فيها الأصوات، وكان الأعمش كفيفاً، فأخذ أحد التلاميذ بيده وقال: آخذ بيدك يا أبا محمد، فأخذه وظل ينحرف به ولم يحس الأعمش بالأمر، وظل ينحرف به إلى أن بعد عن الجنازة، والأعمش ساكت مستأمن للرجل، فقال له الرجل: أتدري أين أنت يا أبا محمد؟ قال له: لا. قال: أنت في جبانة كذا، ووالله لا أردك إلى البلد حتى تملأ ألواحي حديثاً، فلما علم الأعمش أنه لا فائدة قال: اكتب.. حدثني فلان، حدثني فلان... حتى ملأ الألواح، فلما رجع به وكان الأعمش متغيظاً منه، والطالب يعلم ماذا سيفعل به الأعمش إذا دخل البلد، قابله رفيق له فأعطاه الألواح، ومضى حتى أوصله إلى الدار، وقال: وصلت إلى الدار يا أبا محمد . فأمسك بعنقه وقال: خذوا الألواح منه. قال: قد مضت الألواح يا أبا محمد . قال: كل ما حدثتك فهو كذب -حتى لا ينتفع به- فانظر إلى التلميذ المؤدب ماذا أجاب: أنت أعلم بالله من أن تكذب! وقد ورث هذه الخصلة في الشدة أبو بكر بن عياش . فذات مرة قال له أصحابه: حدثنا بحديث. قال: ولا بحديث. قالوا: حدثنا بنصف حديث. فقال لهم: اختاروا السند أو المتن. فقالوا له: أنت عندنا إسناد. قال لهم: كان إبراهيم يدحرج الدلو. قال الخطيب البغدادي : فانظر إليه.. ظن عليهم أن يحدثهم بما ينفعهم. وماذا يعني أن إبراهيم كان يدحرج الدلو؟ ماذا يستفيدون منه؟ أبى عليهم. فهل كان هؤلاء العلماء يمنعون العلم عن أهله؟ لا. فـالأعمش أحاديثه تملأ دواوين الإسلام. بل هذه الطريقة كانت تكسر الشموخ الذي عند طلاب العلم، وبعض طلبة العلم يأتي حلقة الشيخ وقد استحضر نسبه وجاهه وماله، وهذا لا يصلح أن يطلب العلم، ولابد أن يكون عليه سمت طلبة العلم وإلا فإنه لن يفلح. والإمام الشافعي رحمه الله باتفاق العلماء كان أعلم وأعلى كعباً من محمد بن الحسن الشيباني ، ويكفي أن الشافعي رحمه الله مجتهد مطلق، ومحمد بن الحسن رحمه الله مجتهد منتسب إلى المذهب، فلما أراد الشافعي أن يحصل علم أهل العراق ذهب يتتلمذ على محمد بن الحسن ، ولم يذهب الشافعي إليه وقد وضع في ذهنه أنه الشافعي وأنه أعلم من محمد بن الحسن ، وإنما ذهب إليه في سمت التلميذ. فكان يجلس في الحلقة يسمع فتاوى محمد بن الحسن ولا تعجبه، ويرى أن الدليل على خلافها، ولكن يمنعه أدبه أن يواجه الأستاذ بما يكره أمام التلاميذ، فكان محمد بن الحسن
يتبع