الدكتور
02-04-2004, 10:30 PM
[size=6]
<span style='color:red'>مجلة التوحيد هي حال السلفين في مصر وتنطق بإسمهم والعلم الذي انقله من هذه المجله فجزاهم الله خيراً ،،، ولقد أخترت
هذا الموضوع وهو عن تربية الأطفال للشيخ جمال عبدالرحمن حفظه الله ،، وهوغاية الأهميه ،،،
النقل بتصرف
كما قال الماوردي :
( يجب أن يُجتهَد في اختيار المعلم والمؤدب؛ الاجتهاد في اختيار الوالدة والظئر - المرضعة - بل أشد منه؛ فإن
الولد يأخذ من مؤدبه من الأخلاق والشمائل والآداب والعادات، أكثر مما يأخذ من والده، لأن مجالسته له أكثر، ومدارسته
معه أطول، والولد قد أُمر حيث سُلّم إلى المدرس بالاقتداء به جملة، والائتمار له دُفعة، وإذا كان هكذا فيجب ألا يُقتَصَر من
المعلم والمؤدب على أن يكون قارئًا للقرآن حافظًا للغة، أو راويًا للشعر حتى يكون تقيًا، ورعًا عفيفًا، ديِّنًا، فاضل الأخلاق،
أديب النفس، نقي الجيب، عالمًا بأخلاق الملوك وآدابهم، عارفًا بجوامع أصول الدين والفقه، وافيًا بما ذكرنا أنه يحتاج أن
يعلمه على الترتيب، فإن فاته شيء مما ذكرنا، فلا يفوته التُّقَى والدين والفقه )(7) . وقد كان السلف يحرصون على اختيار
المعلم والمدرس الصالح،، ولو كلَّفهم ذلك السفر والانتقال إلى أقطار بعيدة، وأموالاً عديدة .
ورُوِيِ أن عتبة بن أبي سفيان قال لمؤدب ولده: ( يا عبد الصمد، ليكن أول ما تبدأ به إصلاح نفسك، فإن أعينهم معقودة
بعينك، فالحَسَنُ عندهم ما استحسنت، والقبيح عندهم ما استقبحت، وعلِّمهم كتاب اللَّه، ولا تستكرههم عليه فيملُّوه، ولا
تتركهم منه فيهجروه، وروِّهم من الشعر أَعَفَّه، ومن الحديث أشرفه، ولا تُخرجهم من علم إلى علم حتى يُحكموه، فإن ازدحام
الكلام في السمع مضلة للفهم، وتهدَّدهم بي، وأدبِّهم دوني، وكن لهم كالطبيب الرفيق لا يضع الدواء إلا بعد معرفة الداء،
ورَوِّهم سيَر الملوك، وجنبهم محادثة النساء، ولا تتكلن على عذر مني، فإني اتكلتُ على كفاية منك، واستزدني بزيادتك إياهم،
أزدك إن شاء اللَّه)(8)
نصيحة الملوك، للماوردي ص 172
عذراً أخواني أني أغلقت الردود لأن الموضوع طويل جداً وسوف يتم نشره على حلقات متتابعه بإذن الله ،،،،
أطفال المسلمين
كيف رباهم النبي الأمين عليه الصلاة والسلام
الــــــحــــلــــقــــــــة الأولــــى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن
يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، واشهد أن محمداً عبده ورسوله عليه الصلاة والسلام ... أما
بعــــــد :
فإن مرحلة ا لطفولة هي أخصب وأطول وأهم فترة يمكن للمربي أن يغرس فيها من المبادئ القويمة والتوجيهات
السليمة في نفوس وسلوك أبنائه ، فالفرص متاحة ، والإمكانيات متوفرة ، من فطرة سليمة ، وطفولة ساذجة ، وبراءة
صافية ، وليونه ومرونة ، وقلب لم يُلوّث ونفس لم تُدنّس .
فإذا تمت الإستفادة الحسنة من تلك الفترة ، كان الرجاء فيما بعدها أقرب ، وعلى هذا كما قال العلماء : ( فالصبي أمانة عند
والديه ، وقلبه الطاهر جوهرة ساذَجة ، خالية من كل نقش وصورة ، وهو قابل لكل نقش ، ومائل على كل ما يُمال به إلية ،
فإن عُُوِّد الخير وعُلّمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والأخرة أبواه وكل معلم له ومؤدب ، وإن عُوِّد الشر وأهمل إهمال البهائم
شقي وهلك وكان الوزر في رقبة القيّم عليه والوالي له ). وإن تربية الطفل وتعليمه ليست من فضول القول والعمل ، وليست
من الكماليات وإنما هي من الأساسيات والواجبات المتحتمات على الأبوين خاصة والمربين عامة ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ } (6) سورة التحريم.
قال عليّ رضي الله عنه في تفسيرها : علموهم وأدبوهم ، راجع تفسير الآية ابن كثير.
إذا فالتعليم والتأديب والتربية معناها الجنة ، وإهمال ذلك معناه النار ، فلا مجال إذا للتفريط في هذه المهمة ،
والنبي عليه الصلاة والسلام يقول : " ما نحل والد ولده أفضل من أدب حسن " أخرجه الحاكم كتاب الأدب ج 4 ح 7679
وقال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، والبيهقي في سننه الكبرى 2319 والترمذي 1952 واحمد ج 4 ح 14977 ) فالتربية
والتأديب خير هديه وأعظم جميل يتجمل به الأب مع ولده ، وهو خير من الدنيا وما فيها.
فعلى المخلصين من هذه الأمة أن يُشمّروا عن ساعد الجد ويعملوا بتفان وإخلاص ، لتنشئة جيل على نمط الجيل
الذي رباه محمد عليه الصلاة والسلام ولن يكون هذا إلا باقتفاء أثره واتباع منهجه عليه الصلاة والسلام والله تعالى يقول :
( وإن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ) وليس الهدى في الهجمات الإلحادية والتيارات الفكرية ، ولا الثقافات العربية والأطروحات العلمانية ،
ومن أراد التأسي بسيد الخلق والمربي الحق ، محمد عليه الصلاة والسلام فسنعرض هي هذه السلسلة شيئا من بحر فضله
في التربيه النبوية للأطفال ، والإعدادات الإسلامية للأجيال يتبين فيه مدى الإهتمام النبوي بالطفل ، في جميع مراحل طفولته ،
بدءا من كونه في صلب أبيه إلى أن يولد ويشب حتى يبلغ ويصير رجلا مكلّفاً.
نصائح غالية :
يقول الغزالي رحمه الله : اعلم أن الطريقة في رياضة الصبيان من أهم الأمور وأوكدها والصبي أمانة عند والديه ، وقلبه
الطاهر جوهره نفيسه .. فإن عُوِّد الخير وعُلمّه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة ، وإن عُودّ الشر وأهمل إهمال البهائم
شقي وهلك .. وصيانته بأن يؤدبه أبوه ويهذبه ويعلمه محاسن الأخلاق ، ويحفظه من قرناء السوء .. ومهما رأي فيه مخايل
التمييز فإنه ينبغي أن يحسن مراقبته , وأول ذلك ظهور أوائل الحياء ، فإنه إذا كان يحتشم ويستحي ويترك بعض الأفعال
فليس ذلك إلا لإشراق نور العقل عليه .. حتى يرى بعض الأشياء قبيحاً ومخالفاً للبعض ، فصار يستحي من شئ دون شئ ،
وهذه هدية من الله تعالى إليه ، وبشاره تدل على الأخلاق وصفاء القلب ، وهو مبشر بكمال العقل عند البلوغ ، فالصبي
المستحي لا ينبغي أن يُهمل ، بل يُستعان على تأديبه بحيائه وتمييزه . وإن الصبي إذا أهمل في ابتداء نشأته خرج في الأغلب
ردئ الأخلاق ، كذاباُ حسوداً سروقاً ، نماماً لحوحاً ، ذا فضول وضحك وكيد ومجانه، وإنما يحفظ عن ذلك بحسن التأديب ، ثم
يشغل في المكتب فيتعلم القرآن وأحاديث الأخيار ، وحكايات الأبرار وأحوالهم لينغرس في نفسه حب الصالحين .. ثم مهما
ظهر من الصبي خلق جميل وفعل محمود فإنه ينبغي أن يُكرّم عليه ويجازى عليه بما يُفرح ويُمدح بين أظهر الناس ، فإن
خالف ذلك في بعض الأحوال مرة واحدة ينبغي أن يُتغافل عنه ولا يهتك ستره ولا يكاشفه .. ولاسيما إذا ستره الصبي واجتهد
في إخفائه .. وإن عاد ثانية ينبغي أن يعاتب سراً . ويقال له : إياك أن تعود بعد ذلك لمثل هذا .. فتفتضح بين الناس.
ولا تكثر القول عليه بالعتاب في كل حين ، فإنه يهوّن عليه سماع الملامة وركوب القبائح ويُسقط وقع الكلام من قلبه ،
وليكن حافظا هيبة الكلام معه ، فلا يوبخه إلا أحيانا والأم تخوفه بالأب وتزجره عن القبائح .. ويعوّد في بعض النهار المشي
والحركة والرياضة ، حتى لا يغلب عليه الكسل ، ويُمنع من أن يفتخر على أقرانه بشئ مما يملكه والده .. بل يعوّد التواضع
وإكرام كل من عاشره والتلطف في الكلام معهم ,, ويُعلّم أن الرفعة في الإعطاء لا في الأخذ وأن الأخذ لؤم وخسّة ودناءة ،
وإن كان من أولاد الفقراء يُعلّم أن الطمع والأخذ مهانة وذلة ، وإن ذلك من دأب الكلب ، فإنه يبصبص في انتظار لقمة
والطمع فيها .. وينبغي أن يُعوّد ألا يبصق في مجلسة ولا يتمخط ، ولا يتثاءب بحضرة غيره ، ولا يستدبر غيره ، ولا يضع
رجلا على رجل ولا يضع كفه تحت ذقنه ، ولا يعمد رأسه بساعده ، فإن ذلك دليل الكسل ، ويُعلم كيفية الجلوس ويمنع كثرة
الكلام ، ويُبين له أن ذلك يدل على الوقاحة ويُمنع الحلف رأسا ، صادقا كان أو كاذبا حتى لا يعتاد ذلك من الصغر.
ويُمنع أن يبتدئ بالكلام ويُعود ألا يتكلم إلا جوابا وبقدر السؤال وأن يحسن الاستماع مهما تكلّم غيره ممن هو أكبر منه سنا
وأن يقوم لمن فوقه ، ويوسع له المكان ، ويجلس بين يديه ويُمنع من لغو الكلام وفحشه ، ومن اللعن والسب ، ومن مخالطة
من يجري على لسانه شئ من ذلك ، فإن ذلك يسري لا محالة من قرناء السوء ، وأصل تأديب الصبيان الحفظ من قرناء
السوء.
وينبغي أن يُعلم طاعة والديه ومعلمه ومؤدبه وكل من هو أكبر منه سنا من قريب وأجنبي ، ومهما بلغ سن التمييز ينبغي
ألا يسامح في ترك الطهارة والصلاة ، ويؤمر بالصوم في بعض أيام رمضان.
فأوائل الأمور هي التي ينبغي أن تُراعى فإن الصبي بجوهره خُلق قابلا للخير والشر جميعاً ، وإنما أبواه يميلان به على أحد
الجانبين قال عليه الصلاة والسلام " كل مولود يولد على الفطرة ، وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " رواه
البخاري ج1 ح 1292 وابن حبان في صحيحه ج1 ح129 والبيهقي في سننه ج6 ح 11918 , وغيرهم .
حيرة أبوين :
نظرا لأن تربية الأبناء مسئولية في ذمة الوالدين ، وأمانة في أعناق المربين سيستوفيها الله تعالى منهم يوم القيام
ويسألهم عما استرعاهم ، وكلنا راع ومسئول عن رعيته ، فلذلك تجد كثيرا من المربين دائما في حيرة تجاه هذه المسئولية
بل يرهقهم التفكير احيانا ، كيف ينجحون في تربية الأبناء على اختلاف ميولهم ورغباتهم ، وعلى كثرة الفتن والعوائق في
طريق التربية الصحيحة؟
وماذا يفعل الأبوان إذا لم يلتزم الابن أو البنت بتوجيهاتهما ؟ هل الضرب هو السبيل الصحيح ؟ وإذا كان هو
السبيل الصحيح فما حجم هذا الضرب وما هو وقته وأداته ؟
وإذا لم يُفد الضرب ولم يكن هو الحل فما الحل والعلاج إذا ؟!! .. وإذا كان الضرب على الصلاة في سن العاشرة فهل يُضرب
الابن على أخطائه غير الصلاة قبل العاشرة؟
والأهم من هذا كل ، ماذا لو تعدى الطفل مرحلة كبيرة من طفولته وهو بعيد عن الالتزام ولم يتعود الانضباط حتى بلغ ولم
يرض أهله عن أحواله وأفعاله؟
وماذا لو كان الطفل عنيداً أو جبانا وخوافا فيكذب ويُكثر من الكذب تبرعا وتطوعا هل الشدة تزيده أم تفيده؟
وما تأثير الليونة والحنان الزائد على سلوك الطفل ؟ وفي النهاية أقول : كيف تتأكد أيها المربي أنك على الطريق الصحيح في
تربية أبنائك علميا وخلقيا واجتماعيا ونفسيا وبدنيا وعقليا ، بل وجنسيا؟
وكيف تعرف أنك تمارس التريبة بمنهج علمي دقيق ومدروس ، ليس فيه مجال للتجربة ، تنجح أو تفشل ، ولا للخبرة تكثر
أو تقل ؟ خاصة وأن الفشل في مثل هذا الأمر يصعب تداركه إلا أن يشاء الله تعالى شيئا.
أيها المربون : إن الجواب على هذه الأسئلة كلها وأكثر منها سنعرض له إن شاء الله في الحلقة القادم ، حينما نعرض
منهجا فيه إن شاء الله الهداية الربانية والتوجيهات النبوية ، وخلاصة جهد علماء الأمة الإسلامية قولا وعملا وسلوكا ،
بداية من كون الطفل في صُلب أبيه حتى يولد ويشب ، ويبلغ ويلب ويصير رجلا مكلفا ، وذلك لتضمن لنفسك يا أخي تربية
ناجحة لأولادك ، لا تخوفك عليهم الشدائد ولا تهددك نحوهم العواصف.
وإن ولينا الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين.[/</span>size]
<span style='color:red'>مجلة التوحيد هي حال السلفين في مصر وتنطق بإسمهم والعلم الذي انقله من هذه المجله فجزاهم الله خيراً ،،، ولقد أخترت
هذا الموضوع وهو عن تربية الأطفال للشيخ جمال عبدالرحمن حفظه الله ،، وهوغاية الأهميه ،،،
النقل بتصرف
كما قال الماوردي :
( يجب أن يُجتهَد في اختيار المعلم والمؤدب؛ الاجتهاد في اختيار الوالدة والظئر - المرضعة - بل أشد منه؛ فإن
الولد يأخذ من مؤدبه من الأخلاق والشمائل والآداب والعادات، أكثر مما يأخذ من والده، لأن مجالسته له أكثر، ومدارسته
معه أطول، والولد قد أُمر حيث سُلّم إلى المدرس بالاقتداء به جملة، والائتمار له دُفعة، وإذا كان هكذا فيجب ألا يُقتَصَر من
المعلم والمؤدب على أن يكون قارئًا للقرآن حافظًا للغة، أو راويًا للشعر حتى يكون تقيًا، ورعًا عفيفًا، ديِّنًا، فاضل الأخلاق،
أديب النفس، نقي الجيب، عالمًا بأخلاق الملوك وآدابهم، عارفًا بجوامع أصول الدين والفقه، وافيًا بما ذكرنا أنه يحتاج أن
يعلمه على الترتيب، فإن فاته شيء مما ذكرنا، فلا يفوته التُّقَى والدين والفقه )(7) . وقد كان السلف يحرصون على اختيار
المعلم والمدرس الصالح،، ولو كلَّفهم ذلك السفر والانتقال إلى أقطار بعيدة، وأموالاً عديدة .
ورُوِيِ أن عتبة بن أبي سفيان قال لمؤدب ولده: ( يا عبد الصمد، ليكن أول ما تبدأ به إصلاح نفسك، فإن أعينهم معقودة
بعينك، فالحَسَنُ عندهم ما استحسنت، والقبيح عندهم ما استقبحت، وعلِّمهم كتاب اللَّه، ولا تستكرههم عليه فيملُّوه، ولا
تتركهم منه فيهجروه، وروِّهم من الشعر أَعَفَّه، ومن الحديث أشرفه، ولا تُخرجهم من علم إلى علم حتى يُحكموه، فإن ازدحام
الكلام في السمع مضلة للفهم، وتهدَّدهم بي، وأدبِّهم دوني، وكن لهم كالطبيب الرفيق لا يضع الدواء إلا بعد معرفة الداء،
ورَوِّهم سيَر الملوك، وجنبهم محادثة النساء، ولا تتكلن على عذر مني، فإني اتكلتُ على كفاية منك، واستزدني بزيادتك إياهم،
أزدك إن شاء اللَّه)(8)
نصيحة الملوك، للماوردي ص 172
عذراً أخواني أني أغلقت الردود لأن الموضوع طويل جداً وسوف يتم نشره على حلقات متتابعه بإذن الله ،،،،
أطفال المسلمين
كيف رباهم النبي الأمين عليه الصلاة والسلام
الــــــحــــلــــقــــــــة الأولــــى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن
يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، واشهد أن محمداً عبده ورسوله عليه الصلاة والسلام ... أما
بعــــــد :
فإن مرحلة ا لطفولة هي أخصب وأطول وأهم فترة يمكن للمربي أن يغرس فيها من المبادئ القويمة والتوجيهات
السليمة في نفوس وسلوك أبنائه ، فالفرص متاحة ، والإمكانيات متوفرة ، من فطرة سليمة ، وطفولة ساذجة ، وبراءة
صافية ، وليونه ومرونة ، وقلب لم يُلوّث ونفس لم تُدنّس .
فإذا تمت الإستفادة الحسنة من تلك الفترة ، كان الرجاء فيما بعدها أقرب ، وعلى هذا كما قال العلماء : ( فالصبي أمانة عند
والديه ، وقلبه الطاهر جوهرة ساذَجة ، خالية من كل نقش وصورة ، وهو قابل لكل نقش ، ومائل على كل ما يُمال به إلية ،
فإن عُُوِّد الخير وعُلّمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والأخرة أبواه وكل معلم له ومؤدب ، وإن عُوِّد الشر وأهمل إهمال البهائم
شقي وهلك وكان الوزر في رقبة القيّم عليه والوالي له ). وإن تربية الطفل وتعليمه ليست من فضول القول والعمل ، وليست
من الكماليات وإنما هي من الأساسيات والواجبات المتحتمات على الأبوين خاصة والمربين عامة ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ } (6) سورة التحريم.
قال عليّ رضي الله عنه في تفسيرها : علموهم وأدبوهم ، راجع تفسير الآية ابن كثير.
إذا فالتعليم والتأديب والتربية معناها الجنة ، وإهمال ذلك معناه النار ، فلا مجال إذا للتفريط في هذه المهمة ،
والنبي عليه الصلاة والسلام يقول : " ما نحل والد ولده أفضل من أدب حسن " أخرجه الحاكم كتاب الأدب ج 4 ح 7679
وقال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، والبيهقي في سننه الكبرى 2319 والترمذي 1952 واحمد ج 4 ح 14977 ) فالتربية
والتأديب خير هديه وأعظم جميل يتجمل به الأب مع ولده ، وهو خير من الدنيا وما فيها.
فعلى المخلصين من هذه الأمة أن يُشمّروا عن ساعد الجد ويعملوا بتفان وإخلاص ، لتنشئة جيل على نمط الجيل
الذي رباه محمد عليه الصلاة والسلام ولن يكون هذا إلا باقتفاء أثره واتباع منهجه عليه الصلاة والسلام والله تعالى يقول :
( وإن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ) وليس الهدى في الهجمات الإلحادية والتيارات الفكرية ، ولا الثقافات العربية والأطروحات العلمانية ،
ومن أراد التأسي بسيد الخلق والمربي الحق ، محمد عليه الصلاة والسلام فسنعرض هي هذه السلسلة شيئا من بحر فضله
في التربيه النبوية للأطفال ، والإعدادات الإسلامية للأجيال يتبين فيه مدى الإهتمام النبوي بالطفل ، في جميع مراحل طفولته ،
بدءا من كونه في صلب أبيه إلى أن يولد ويشب حتى يبلغ ويصير رجلا مكلّفاً.
نصائح غالية :
يقول الغزالي رحمه الله : اعلم أن الطريقة في رياضة الصبيان من أهم الأمور وأوكدها والصبي أمانة عند والديه ، وقلبه
الطاهر جوهره نفيسه .. فإن عُوِّد الخير وعُلمّه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة ، وإن عُودّ الشر وأهمل إهمال البهائم
شقي وهلك .. وصيانته بأن يؤدبه أبوه ويهذبه ويعلمه محاسن الأخلاق ، ويحفظه من قرناء السوء .. ومهما رأي فيه مخايل
التمييز فإنه ينبغي أن يحسن مراقبته , وأول ذلك ظهور أوائل الحياء ، فإنه إذا كان يحتشم ويستحي ويترك بعض الأفعال
فليس ذلك إلا لإشراق نور العقل عليه .. حتى يرى بعض الأشياء قبيحاً ومخالفاً للبعض ، فصار يستحي من شئ دون شئ ،
وهذه هدية من الله تعالى إليه ، وبشاره تدل على الأخلاق وصفاء القلب ، وهو مبشر بكمال العقل عند البلوغ ، فالصبي
المستحي لا ينبغي أن يُهمل ، بل يُستعان على تأديبه بحيائه وتمييزه . وإن الصبي إذا أهمل في ابتداء نشأته خرج في الأغلب
ردئ الأخلاق ، كذاباُ حسوداً سروقاً ، نماماً لحوحاً ، ذا فضول وضحك وكيد ومجانه، وإنما يحفظ عن ذلك بحسن التأديب ، ثم
يشغل في المكتب فيتعلم القرآن وأحاديث الأخيار ، وحكايات الأبرار وأحوالهم لينغرس في نفسه حب الصالحين .. ثم مهما
ظهر من الصبي خلق جميل وفعل محمود فإنه ينبغي أن يُكرّم عليه ويجازى عليه بما يُفرح ويُمدح بين أظهر الناس ، فإن
خالف ذلك في بعض الأحوال مرة واحدة ينبغي أن يُتغافل عنه ولا يهتك ستره ولا يكاشفه .. ولاسيما إذا ستره الصبي واجتهد
في إخفائه .. وإن عاد ثانية ينبغي أن يعاتب سراً . ويقال له : إياك أن تعود بعد ذلك لمثل هذا .. فتفتضح بين الناس.
ولا تكثر القول عليه بالعتاب في كل حين ، فإنه يهوّن عليه سماع الملامة وركوب القبائح ويُسقط وقع الكلام من قلبه ،
وليكن حافظا هيبة الكلام معه ، فلا يوبخه إلا أحيانا والأم تخوفه بالأب وتزجره عن القبائح .. ويعوّد في بعض النهار المشي
والحركة والرياضة ، حتى لا يغلب عليه الكسل ، ويُمنع من أن يفتخر على أقرانه بشئ مما يملكه والده .. بل يعوّد التواضع
وإكرام كل من عاشره والتلطف في الكلام معهم ,, ويُعلّم أن الرفعة في الإعطاء لا في الأخذ وأن الأخذ لؤم وخسّة ودناءة ،
وإن كان من أولاد الفقراء يُعلّم أن الطمع والأخذ مهانة وذلة ، وإن ذلك من دأب الكلب ، فإنه يبصبص في انتظار لقمة
والطمع فيها .. وينبغي أن يُعوّد ألا يبصق في مجلسة ولا يتمخط ، ولا يتثاءب بحضرة غيره ، ولا يستدبر غيره ، ولا يضع
رجلا على رجل ولا يضع كفه تحت ذقنه ، ولا يعمد رأسه بساعده ، فإن ذلك دليل الكسل ، ويُعلم كيفية الجلوس ويمنع كثرة
الكلام ، ويُبين له أن ذلك يدل على الوقاحة ويُمنع الحلف رأسا ، صادقا كان أو كاذبا حتى لا يعتاد ذلك من الصغر.
ويُمنع أن يبتدئ بالكلام ويُعود ألا يتكلم إلا جوابا وبقدر السؤال وأن يحسن الاستماع مهما تكلّم غيره ممن هو أكبر منه سنا
وأن يقوم لمن فوقه ، ويوسع له المكان ، ويجلس بين يديه ويُمنع من لغو الكلام وفحشه ، ومن اللعن والسب ، ومن مخالطة
من يجري على لسانه شئ من ذلك ، فإن ذلك يسري لا محالة من قرناء السوء ، وأصل تأديب الصبيان الحفظ من قرناء
السوء.
وينبغي أن يُعلم طاعة والديه ومعلمه ومؤدبه وكل من هو أكبر منه سنا من قريب وأجنبي ، ومهما بلغ سن التمييز ينبغي
ألا يسامح في ترك الطهارة والصلاة ، ويؤمر بالصوم في بعض أيام رمضان.
فأوائل الأمور هي التي ينبغي أن تُراعى فإن الصبي بجوهره خُلق قابلا للخير والشر جميعاً ، وإنما أبواه يميلان به على أحد
الجانبين قال عليه الصلاة والسلام " كل مولود يولد على الفطرة ، وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " رواه
البخاري ج1 ح 1292 وابن حبان في صحيحه ج1 ح129 والبيهقي في سننه ج6 ح 11918 , وغيرهم .
حيرة أبوين :
نظرا لأن تربية الأبناء مسئولية في ذمة الوالدين ، وأمانة في أعناق المربين سيستوفيها الله تعالى منهم يوم القيام
ويسألهم عما استرعاهم ، وكلنا راع ومسئول عن رعيته ، فلذلك تجد كثيرا من المربين دائما في حيرة تجاه هذه المسئولية
بل يرهقهم التفكير احيانا ، كيف ينجحون في تربية الأبناء على اختلاف ميولهم ورغباتهم ، وعلى كثرة الفتن والعوائق في
طريق التربية الصحيحة؟
وماذا يفعل الأبوان إذا لم يلتزم الابن أو البنت بتوجيهاتهما ؟ هل الضرب هو السبيل الصحيح ؟ وإذا كان هو
السبيل الصحيح فما حجم هذا الضرب وما هو وقته وأداته ؟
وإذا لم يُفد الضرب ولم يكن هو الحل فما الحل والعلاج إذا ؟!! .. وإذا كان الضرب على الصلاة في سن العاشرة فهل يُضرب
الابن على أخطائه غير الصلاة قبل العاشرة؟
والأهم من هذا كل ، ماذا لو تعدى الطفل مرحلة كبيرة من طفولته وهو بعيد عن الالتزام ولم يتعود الانضباط حتى بلغ ولم
يرض أهله عن أحواله وأفعاله؟
وماذا لو كان الطفل عنيداً أو جبانا وخوافا فيكذب ويُكثر من الكذب تبرعا وتطوعا هل الشدة تزيده أم تفيده؟
وما تأثير الليونة والحنان الزائد على سلوك الطفل ؟ وفي النهاية أقول : كيف تتأكد أيها المربي أنك على الطريق الصحيح في
تربية أبنائك علميا وخلقيا واجتماعيا ونفسيا وبدنيا وعقليا ، بل وجنسيا؟
وكيف تعرف أنك تمارس التريبة بمنهج علمي دقيق ومدروس ، ليس فيه مجال للتجربة ، تنجح أو تفشل ، ولا للخبرة تكثر
أو تقل ؟ خاصة وأن الفشل في مثل هذا الأمر يصعب تداركه إلا أن يشاء الله تعالى شيئا.
أيها المربون : إن الجواب على هذه الأسئلة كلها وأكثر منها سنعرض له إن شاء الله في الحلقة القادم ، حينما نعرض
منهجا فيه إن شاء الله الهداية الربانية والتوجيهات النبوية ، وخلاصة جهد علماء الأمة الإسلامية قولا وعملا وسلوكا ،
بداية من كون الطفل في صُلب أبيه حتى يولد ويشب ، ويبلغ ويلب ويصير رجلا مكلفا ، وذلك لتضمن لنفسك يا أخي تربية
ناجحة لأولادك ، لا تخوفك عليهم الشدائد ولا تهددك نحوهم العواصف.
وإن ولينا الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين.[/</span>size]